فرقة كشافة للمكفوفين في غزة

فرقة كشافة للمكفوفين
فرقة كشافة للمكفوفين

غزة- محمد أبو زايدة

على ترنيم كلماتِ الشاعر الفلسطيني سعيد المزين، يسير الفتى أحمد القريناوي (16عامًا)، يتحسس بأنامله سارية نصبت بجانب (منصّة) المدرسة، ثم يرفع علم فلسطين على صوت فرقته المكونة من 16 كفيفًا، يلقون السلام الوطني الفلسطيني مرددين "بحق القسم تحت ظل العلم، بأرضي وشعبي ونار الألم، سأحيا فدائي وأمضي فدائي، وأقضي فدائي إلى أن تعود".

ابتسامة تطفو على وجه القريناوي بعدما توكل اليه مهمّة رفع علم بلاده في كل صباح؛ لا سيما وأنّه حفظ مكانه بدون أن يتسنّى له رؤيته من قبل، وكل ما يعرفه عنه أنّه "شيء مقدّس".

" صحيح أنني كفيف، لكنّ الله أعطاني بصيرة" يقول القريناوي، ويضيف بحروفٍ استغرق وقتًا في تكوينها " أشعر أنني سأكون من الذين يرفعون علم بلادهم على مشارف المسجد الأقصى ذات يوم، ولذلك دخلت فرقة كشافة".

فرقة كشفية مكونة من (16 كفيفًا) كبيرهم القريناوي الذي يتولّى قيادتهم، جمعتهم رغبتهم في تكوين فريقٍ استثنائي، يتحدّون من خلاله إعاقتهم التي سخر منها الكثيرون. وفق قائدهم.

استثمار العلاقات

يقول القريناوي " انضمامي للفرقة فتح لي مجالاتٍ واسعة كنت أجهلها في الحياة، وأصبحت لدي توجهات جديدة، وعززت من ثقتي بنفسي".

ومن ضمن العلاقات التي بنتها فرقة الكشافة للقريناوي، تواصله مع بعض المخرجين؛ لإخراج فيلمٍ قصيرٍ عن فريقه، وتحديهم لكل العقبات التي تقف عائقًا أمام طريقهم.

ولا شك أنّ كل كفيف قد يتعرض للاستهزاء بقدراته، وهذا ما حصل مع عيد كلاب (16عامًا) وهو أحد أعضاء فرقة الكشافة؛ عندما أوقفه أحد جيرانه ساخرًا منه بالقول " أنت لا ترى فكيف ستكون ضمن فريق كشافة يحتاج إلى البصر". وفق قوله.

"كلماتهم جارحة لا تعرف الرحمة" بهذه الكلمات عبّر كلاب عن ردة فعله، ثم تابع " سأكمل طريقي وفق ما أريد، وقد صممت بطاقة تعريفية بي للتواصل مع المؤسسات، وسأشارك بعرضٍ كشفي خلال الأيام القادمة.. أصبحت كلمات الآخرين المليئة باليأس تدفعني نحو التحدي والنجاح".

الأولى من نوعها

تلك الفرقة التي يتكون جميع فريقها من المكفوفين؛ تعتبر الأولى من نوعها في قطاع غزة، لا سيما أنّها تستخدم "الطبل" في عروضها، ويشرف على تدريبهم محمد أبو سلمية، الذي يعتز بذلك قائلًا "  يمتلكون دافعًا قويًا في العمل الكشفي".

جميع الفريق من داخل مدرسة النور والأمل للمعاقين بصريًا في النصيرات وسط قطاع غزة، لكنّ تواصلهم لا يقتصر على محيطهم، بل تعداه لمناطق مختلفة من قطاع غزة. وفق أبو سلمية.

ويتابع " وجدنا أنّ الفريق يمتلك امكانيات ذاتية، ورغبنا في تطويرها، لا سيما أنّ المدرسة بحاجة لفريقٍ كشفي خاص بها".

ويشير أبو سلمية إلى أنّ أكبر الداعمين لقرارهم؛ إلحاح الطلبة على أن يكون لديهم برنامجًا مشابهًا لما أعلنت عنه وزارتا الداخلية والأمن الوطني والتربية والتعليم العالي، وهو مخيمات (الفتوّة/ طلائع التحرير) التي أطلقتها ضمن مشروع لتأهيل طلاب المرحلة الثانوية في مدارس قطاع غزة".

وتم اختبار جميع أعضاء الفريق جسديًا وصحيًا، وبعد اجتيازهم الاختبار، جرى تدريبهم وتكثيف التدريبات كلّما كان لديهم عرضًا خاصًا، وفق أبو سلمية، ويستطرد " نستغل الاستراحات المدرسية لتدريبهم، كما أنّهم يضحون بالاستيقاظ قبل دوامهم الصباحي بفترة لتدريبهم، إضافة لتفريغ بعض الحصص المدرسية في حال وجود عروضٍ كشفية".

وعن أولى أعمال الفريق يقول أبو سلمية" أول أعمالنا خارج المدرسة كان 17/3 بمدرسة إبراهيم المقادمة الثانوية؛ بذكرى استشهاد الدكتور إبراهيم المقادمة". ولم تتوقف عروض الفريق؛ إذ توالت من عرضٍ بشوارع مدينة الزهراء لإحياء يوم الأرض، إلى تنظيم عرضٍ بيوم الأسير الفلسطيني وغيرها.

الدافعية التي يحملها الطلاب لتطوير ذواتهم في هذا المجال أوصلهم إلى طلبهم من مدربهم أن يخوضوا عمليات انزالٍ من أحد الأبراج السكنية، تيمنًا بعروض المقاومة الفلسطينية، إلّا أن إدارة مدرستهم رفضت الاقتراح لما فيه من مخاطر.

الدمج بالمجتمع

بدوره؛ أوضح معاذ الحاج أحمد، عضو مجلس إدارة جمعية رابطة الخريجين المعاقين بصريًا، أنّ الهدف من تشكيل الفريق، هو تحقيق فكرة الدمج الكامل في المجتمع، واثبات قدرات المكفوفين.

ويقول الحاج أحمد: "نحاول كسر حاجز البيئة التعليمية التقليدية التي يعيشها المكفوفين، واثبات قدرات الكفيف، واستخراج الطاقات الكامنة التي تجعله يثبت هويته داخل المجتمع، ومحاولة خلق علاقة مع محيطه بدون أي عقبات".

وأشار إلى أنّ أعضاء من الفريق الكشفي شاركوا بمخيمات (طلائع التحرير/الفتوة) التي نظمتها وزارة الداخلية، ولاقوا تشجيعًا من المدربين، وحصلوا على شهاداتٍ فخرية تثبت ذلك.

وعن المعيقات التي يتعرض لها الفريق الكشفي؛ أوضح الحاج أحمد أنّها تتمثل في مشكلاتِ البيئة المدرسية، ونقص الدعم اللوجستي للفريق، والمدة التدريبية غير الكافية التي يتم استقطاعها من دوامهم المدرسي.

وأوصى الحاج أحمد صنّاع القرار والمسؤولين بضرورة الاهتمام بجميع أطياف المجتمع، والنظر برحمة لذوي الاحتياجات الخاصة، داعيًا لتفعيل قانون المعاق الفلسطيني "غير المطبّق في فلسطين حتى الآن".