مقال: حوار في مقبرة الشتات

الكاتب والصحفي أ. وسام عفيفة
الكاتب والصحفي أ. وسام عفيفة

بقلم أ. وسام عفيفة

المكان: مقبرة الشتات الفلسطيني، الزمان: بحسب توقيت الجرح النازف.

يغادر مشيعون المقبرة بعدما دفنوا صبيا صغيرا بملابسه التي لا تزال تقطر دما، يخيم الصمت على المكان، تتردد همسات من داخل قبور، يبرز صوت أجش من إحداها وقد كتب على شاهد القبر (تل الزعتر 1976)، صاحبه ينادي: "وصل ضيف جديد يا صبرا"، فيجيب صوت امرأة من قبر آخر: "يا ويلي يا أبو زعتر، الصبي دمه لا يزال ساخنا، يبدو أنه جاء من مجزرة جديدة من مجازرنا".

ينضم الوافد الجديد إلى حديث الأموات:" أنا اسمي مظلوم، عمري 10 سنوات، جئتكم من مخيم اليرموك بعدما حاصروني، وعذبوني ثم قتلوني، أنا الفلسطيني ابن مأساة القرن الـ 21... لكن من أين أنتم؟

يتنهد أبو زعتر تنهيدة طويلة، ويجيب: "أنا يا بني شهيد من مخيم تل الزعتر، ارقد ومعي نحو ثلاثة آلاف من الفلسطينيين واللبنانيين، أنا ابن أطول معارك الحرب الأهلية، وانا ضحية حصار "الكتائب" المارونية، أنا ممن دفعوا ثمن الغدر الوحشي، لميليشيات كميل شمعون وبيير الجميل، كانوا هناك يا بني يتفرجون... القوات السورية في ظهر الميليشيات المارونية، وقوات الردع العربية تركونا نذبح".

وماذا عنك أنت يا صبرا؟

أنا صبرا من مخيم شاتيلا، أنا المغتصبة والمبقورة والمذبوحة بسكين التحالف (الإسرائيلي) والكتائب اللبناني والصمت العربي، ما رأيته يا بني في السادس عشر من سبتمبر 1982 جريمة لا توصف... أطفالٌ غرقوا في دمائهم، حواملُ بُقِرَت بُطونهنّ ونساءٌ تمَّ اغتصابهنَّ قبل قتلِهِنّ، وها أنا ارقد مع قرابة 3000 مذبوح...

لكن ماذا يحدث يا بني في عاصمة الشتات الفلسطيني "اليرموك"؟

مظلوم: ما يحدث يا عمتي صورة من حصار تل الزعتر، ويشبه المؤامرة والغدر في شاتيلا، وها هم يستعدون ليكرروا نفس المجزرة، والصامتون هم العرب أنفسهم"، ولكن تغيرت فقط الراية التي يرفعها القتلة...

يقطع حديث الصبي صوت من قبر آخر، شاعر يردد أبياتا من قصيدة يستفتي حول أكل الأبناء الأموات للنجاة من جوع الحصار:

والآن تكفِّنُهُ عيني .. فدعوني آكلُ من ابني .. كي أنقذَ عمري .. ماذا آكل من أبني ؟!! من أين سأبدأ ؟!

لن أقربَ أبداً من عينيه .. عيناهُ الحدُ الفاصل .. بين زمانٍ يعرفني .. وزمانٍ آخر ينكرني..

لن أقرُبَ أبداً من قدميه .. قدماهُ نهايةُ ترحالي .. في وطنٍ عشتُ أطاردُهُ .. وزمانٍ عاشَ يطاردني..

ماذا آكلُ من أبني ؟! يا زمنَ العار .. تبيعُ الأرض، تبيعُ العرض .. وتسجدُ جهراً للدولار..

لن آكل شيئاً من ابني يا زمنَ العار .. سأظلُّ أقاومُ هذا العفن .. لآخر نبضٍ في عمري .. سأموتُ الآن .. لينبُتَ مليون وليد.. وسطَ الأكفان على قبري .. وسأرسم في كل صباح .. وطناً مذبوحاً في صدري.