مقال: غزة اختبار للعدالة

طفل بغزة يحمل علم بلاده على بيته المدمر
طفل بغزة يحمل علم بلاده على بيته المدمر

بقلم الكاتب : لورانس ديفيدسون

أكاديمي وكاتب أمريكي (موقع كونسورتيوم نيوز)

أنشئت المحكمة الجنائية الدولية لتكون أداة لإجراء محاكمات في أفظع الجرائم التي يرتكبها أفراد يتولون مناصب في سلطة الدولة - أي أولئك الضباط العسكريين والسياسيين على رأس هرم التسلسل القيادي . وحتى عهد قريب، اقتصرت محاكمات المحكمة على قادة في دول صغيرة وضعيفة .

وهذا الوضع على وشك أن يتغير . ففي نوفمبر/تشرين الثاني ،2012 حصلت فلسطين على وضع دولة مراقبة في الأمم المتحدة، ما أهلها للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وبالفعل، وقعت فلسطين معاهدة المحكمة، ما جعلها دولة عضواً في المحكمة، وسارعت فلسطين إلى تقديم طلب إلى المحكمة لكي تبدأ تحقيقاً أولياً في أعمال "إسرائيل" داخل الأراضي الفلسطينية (المحتلة) خلال غزو غزة في 2014 . وتسعى فلسطين لاستصدار لوائح اتهام ضد قادة "إسرائيليين" بتهم ارتكاب جرائم حرب .

وهذا جعل الحكومة "الإسرائيلية" وراعيها الأمريكي غاضبين جداً وسبب هذا الغضب هو أن هناك أدلة عارمة على ارتكاب "إسرائيل" جرائم حرب . وهذه الأدلة تضمنتها تقارير لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة "هيومان رايتس ووتش"، ومنظمة "بتسليم" (مركز المعلومات "الإسرائيلي" لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة) .

وفيما يلي عرض عام للوقائع كما هي معروفة في الوقت الراهن:

* قتل حوالي 2200 فلسطيني، معظمهم مدنيون، في الفترة بين 8 يوليو/تموز و26 أغسطس/آب 2014 . وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن 1473 من هؤلاء الضحايا كانوا مدنيين، بمن فيهم 527 طفلاً و299 امرأة وحسب وزارة الصحة الفلسطينية، أصيب أيضاً بجروح 11 ألف شخص .

* بالمقارنة، قتل 71 "إسرائيلياً"، كان 4 منهم مدنيون . كما أصيب بجروح 469 جندياً "إسرائيلياً" و261 مدنياً .

* تقدر الأمم المتحدة أن الهجوم "الإسرائيلي" دمر 18000 وحدة سكنية، وشرد بصورة دائمة حوالي 108 آلاف عربي . وخلال الهجوم، استهدفت "إسرائيل" بشكل محدد المنازل المدنية للقادة السياسيين والعسكريين الفلسطينيين .

* استهدف "الإسرائيليون" أيضاً شبكة توزيع الكهرباء في غزة، ودمروا محطة التوليد الوحيدة التي تزود قطاع غزة بالكهرباء .

* تسبب تدمير محطة الكهرباء بتعطل منشآت المياه، ما قطع إمدادات مياه البلدية عن 450 ألف شخص، كما استهدفت نيران الدبابات "الإسرائيلية" آبار وخزانات مياه الأفراد .

* دمرت نيران الدبابات "الإسرائيلية" أكبر محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي في غزة .

* أظهرت تقارير الأمم المتحدة أن 22 مدرسة دمرت، بينما تعرضت لأضرار 118 مدرسة أخرى، بما فيها مدارس للأمم المتحدة كانت تأوي مدنيين نازحين . يضاف إلى ذلك أن حوالي 373 ألف طفل تعرضوا لصدمات نفسية تتطلب مساعدة اختصاصيين .

* استهدفت "إسرائيل" المستشفيات والعيادات الطبية، ونتيجة لذلك، دمرت أو تضررت 24 منشأة طبية .

ومثل هذا العقاب الجماعي والتدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية هو انتهاك للقانون الدولي، حيث إن هذه الأعمال تشكل جرائم حرب .

وإذا تركنا جانباً مسألة شرعية "إسرائيل" ضمن حدود ما قبل ،1967 فإن الأغلبية العظمى من حكومات العالم تجمع على أن الضفة الغربية وقطاع غزة هما أراض محتلة، وأن "إسرائيل" تتحمل التزامات محددة بموجب القانون الدولي تجاه سكان هذه الأراضي . كما أن بناء مستوطنات ل"إسرائيليين" داخل هذه الأراضي، والإفقار المتعمد للمواطنين الفلسطينيين، هما عملان غير شرعيين بموجب القانون الدولي .

يضاف إلى ذلك أنه من وجهة نظر المنطق المحض، فإن أعمال "إسرائيل" العنيفة والعقابية رداً على ما هو في الحقيقة مقاومة فلسطينية ضد احتلال غير مشروع لا يمكن اعتبارها "دفاعاً عن النفس" . فإذا ما أنت اقتحمت منزل جارك، وقاومك، فأطلقت النار عليه، لا يمكنك الادعاء بأنك فعلت ذلك دفاعاً عن النفس .

إن إمكانية دحض التبريرات الصهيونية والتشويش الأمريكي، وإعلان السياسة "الإسرائيلية" عدوانية، لهي إمكانية حقيقية ومشجعة . ونظراً إلى توفر الأدلة، يفترض أن توجه لوائح اتهام . غير أنه يبقى من المشكوك فيه أن يحال أي "إسرائيلي" فعلاً إلى المحاكمة . وفي الواقع فإن توجيه مثل هذه الاتهامات سيطرح معضلة أمام الحكومات الغربية الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية . فماذا سيحصل إذا ما سافر "إسرائيلي" متهم من قبل المحكمة إلى فرنسا، أو بريطانيا أو ألمانيا؟ ففي النهاية، من الممكن جداً أن توجه اتهامات إلى رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو، فهل ستلتزم هذه الحكومات بواجباتها وفقاً لميثاق روما وتمتثل لمذكرات الاعتقال التي يمكن أن تصدرها المحكمة الجنائية الدولية؟ أم أن النفوذ الصهيوني المسيطر في هذه البلدان سيدفعها إلى تحدي المحكمة، وبالتالي إلى تقويض حكم القانون؟ ليس مضموماً بأي حال أن أية من هذه الحكومات ستختار التقيد بالقانون .

إن طلب فلسطين المقدم إلى المحكمة الجنائية الدولية للنظر في ممارسات "إسرائيل" خلال غزوها لغزة في صيف 2014 لهو صرخة مؤثرة تطالب بالعدالة . وهو أيضاً تحد مهم أمام المحكمة وجميع دولها الأعضاء من أجل تطبيق القانون الدولي على الأقوياء والنافذين .