التطورات التي أعقبت الحرب الأخيرة على غزة وبقاء الوضع الراهن على حاله اضافة إلى الخطوات التي تكثفها السلطة الفلسطينية في مواجهة (إسرائيل) وضعت الاحتلال أمام خيارات صعبة، فماذا تخفي (إسرائيل) في جعبتها خلال المرحلة المقبلة؟
واتخذ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عقب توجه السلطة إلى المحكمة الجنائية قرارا فوريا بمنع تحويل نحو مئة مليون يورو من أموال الضرائب التي تجبيها (إسرائيل) لمصلحة السلطة.
استغلال قوي
وبالتزامن مع هذا القرار الذي لم يواجه بمعارضة شديدة من الإسرائيليين، خرج نتانياهو بقرار آخر أعلن فيه أن مكتبه أعد وثيقة تتضمن سلسلة نشاطات في مواجهة خطوات السلطة أبرزها إعداد لوائح اتهام ضد قياديين في السلطة وفي مقدمتهم عباس.
ولم يكتف بهذا الحد من الهجوم؛ بل أعلن في رده على طلب دخول السلطة إلى محكمة "لاهاي"، "أن أول من يجب معاقبته ومحاكمته على جرائم حرب هي السلطة التي تحالفت مع حركة حماس".
"نتنياهو" ذاك الرجل الذي يحاول أن يعاقب الفلسطينيين، كأي رئيس حكومة اسرائيلية سابقة، يحاول أيضا التركيز على القضايا السياسية والأمنية باعتبارها ملعبه المفضل من خلال استغلاله بكل قوة ما شهدته الحلبة الدولية من مناكفات وتطورات بملف القضية الفلسطينية بالتعامل معها كفرصة ذهبية لمواجهة خصومه في الانتخابات الإسرائيلية في السابع عشر من آذار القادم.
هذا الواقع يصب في مصلحته، بدليل بدء جلسة حكومته التي عقدت الأيام الماضية بإعلان أن الحكومة الإسرائيلية ستقف كحد السيف إلى جانب الجيش أمام تهديد السلطة في محاكمتهم كمجرمي حرب.
إحداث ضغط
وبناء على ما اورده المختص بالشأن الاسرائيلي احمد سعيد فإنه خلال الفترة الحالية تواجه (إسرائيل) خيارات معقدة وصعبة بسبب الظروف السياسية المحيطة أو الموجودة داخل المجتمع الإسرائيلي المقبل على الانتخابات المبكرة.
أما على صعيد التعامل مع السلطة، فإن حكومة الاحتلال معنية بكل وضوح خلال الفترة المقبلة على اضعاف أبو مازن وموقفه في المحافل الدولية في محاولة منها للتشويش مع الحرص على عدم انهاء وجودها (أي السلطة)، وفقا لسعيد.
رغم ذلك فليس من المتوقع أن تضحى (إسرائيل) بالسلطة، خاصة أنها تمثل أحد انجازاتها التي تحققت خلال الفترة الماضية (أوسلو 1993).
ومنذ ذلك الوقت والسلطة تؤدي دورا وظيفيا يقوم على حماية أمن الاحتلال الإسرائيلي في الاراضي الفلسطينية، وذلك كما يقول المختص سعيد، وهذا دليل واضح على أنها معنية كثيرا ببقاء وظيفتها بالميدان من خلال الاستمرار بدورها في التنسيق الأمني لما في ذلك مصلحة كبيرة لـ(إسرائيل).
وعن استمرار خطوة تجميد أموال المقاصة، أكد سعيد أن الاحتلال لن يبقي طويلا على هذا الاجراء، وقال: "الأجهزة الأمنية التي تنسق أمنيا مع الاحتلال وتقدم له المعلومات لن تتقاضى رواتب ما يعنى عودة حالة الفوضى إلى الضفة وهذا ما لا تريد (إسرائيل) استمراره".
لكن ذلك لا يعني أن الاحتلال سيتخلى عن فرض عقوبات على السلطة التي تهدف من خلالها احداث ضغط عليها عبر واشنطن ودول أخرى لثنيها عن التواصل مع المؤسسات الدولية.
صحيفة "هآرتس" العبرية نقلت خلال الأيام الماضية عن مسئول صهيوني قوله إن (إسرائيل) ستبدأ اتصالات مع جهات مناصرة لها في الكونغرس الأمريكي لحثهم على تطبيق القانون الذي اتخذ في الكونغرس والذي يقضي بقطع المعونات عن السلطة إذا ما انضمت لمحكمة الجنايات الدولية.
ولفتت الصحيفة إلى أن إدارة أوباما قلقة من هذه الخطوات لإمكانية وقوع السلطة بأزمة اقتصادية تمنعها من دفع مرتبات عشرات آلاف الموظفين.
أما عن تقديرات الإدارة الأمريكية فتفيد الصحيفة أن الدول العربية، وكما في حالات سابقة، لن تمنح السلطة شبكة أمان ولن تحول لها الأموال لتسيير أمورها المالية ومنع إصابتها بالشلل التام.
إبطاء إعمار غزة
وفي وقت تنهمك الحكومة الإسرائيلية في كيفية مواجهة السلطة، تبرز أعين أخرى تراقب عن كثب ما يجري في قطاع غزة الذي خرج منتصرا في الحرب الأخيرة بشهادة الكثير من القيادات العسكرية الإسرائيلية.
اخر تلك الشهادات جاءت على لسان نائب رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، الجنرال يائير نافيه، عندما شن هجوماً شديد اللهجة ضد قيادات في (إسرائيل) على خلفية إدارة العدوان على غزة، معلناً أن (إسرائيل) لم تنتصر في هذه الحرب.
تلك الأسباب تقيد الاحتلال بشكل كبير وتجعل اتخاذا قرارات عسكرية ضد غزة صعبة جدا في الفترة المقبلة ، كما يوضح سعيد.
وتبقى الخيارات الاسرائيلية للتعامل مع غزة متمثلة بإبطاء الاعمار وهو أحد أهم الخيارات التي تريدها (إسرائيل) في الوقت الراهن كي لا يحسب من وجهة نظر سعيد انجاز للمقاومة على حساب القيادة الاسرائيلية الحاكمة ما يؤثر على نتائج الانتخابات القادمة.
ما يعني أن الوضع في غزة سيبقى على ما حاله كما أن الاحتلال سيحرص على استمرار فترة الهدوء القائمة وألا يكون هناك أي انجاز واضح للمقاومة خاصة بعد اعتراف (إسرائيل) بهزيمتها في معركة العصف المأكول.