موجات شديدة جدًا من الهواء البارد في أقصى مدينة بيت حانون، مصحوبة بأمطار غزيرة، تلك بداية منخفض "قاقون".
السيدة سهام عودة اكتفت بوضع قطع قماش على نافذة بيتها المتنقل "كرَفان" بجوار منزلها المدمر، وأثقلت لباس أطفالها الأربعة؛ لتنجي أجسادهم من غزوات البرد القارس.
تحاول الأم (35عامًا) أن تدخل الدفء إلى قلوب أطفالها، بعدما أشعلت موقد نار، وجلست بينهم في إحدى زوايا ذلك الكرفان الصغير التي تحيط به ألواح "الزينقو" من كل الجهات، حتى إن ملامستك جدرانه يقشعر له بدنك من شدة برودته.
وتقول الأم سهام فيما أطفالها يلتفون حولها: "هذا المنخفض شديد البرودة، ننتظر تحركا من الحكومة لإنقاذ أطفالي وأطفال مئات الأمهات مثلي في البلدة".
أما زوج سهام التي تكنى بأم عبد الرحمن، فذهب إلى إحدى المؤسسات المانحة لجلب بضِع أمتار من النايلون ليغطي سقف الكرفانة، ويمنع تسلل حبات المطر إلى داخله.
أحد أطفاله الأربعة ويسمى محمود (12 عامًا)، لم يغب عن لسانه سؤال طوال حديث
مع أمه، " متى راح تبنوا بيتنا؟".
عائلة عودة في بيت حانون من بين مئات العوائل التي أصبحت بلا مأوى، بعد تدمير "إسرائيل" منازلها في الحرب الثالثة على غزة، ليلجئوا مؤقتًا إلى تلك الكرفانات، ويحاربون وحدهم تلك العاصفة، بانتظار الإعمار.
منخفض "قاقون"، دفع بلدية بيت حانون إلى تشكيل خطة طوارئ، في محاولة للتصدي له، وسط الإمكانات البسيطة التي بحوزتها، لكن تلك الخطة لم تخفف من آلم أهالي المدينة الذين يعيشون في الكرفان، ليقوفوا وحدهم في مواجهة المنخفض.
ومنذ بداية الأسبوع، ضرب الأراضي الفلسطينية منخفض جوي مصحوب بكتلة هوائية بادرة، من المتوقع استمراره حتى نهايته، وأطلق عليه اسم "قاقون" نسبة إلى قرية أثرية فلسطينية مهجّرة تتبع قضاء مدينة طولكرم وتبعد عن المدينة حوالي كيلو متريْن.
يقول سفيان حمد رئيس خطة الطوارئ التي أعدتها بلدية بيت حانون في حديث لـ
: "أهالي الكرفان يعيشون أوقاتا صعبة في هذه الأوقات، والسبب يعود لرداءة الكرفان الذي قدمته الهيئة العربية الدولية لإعمار غزة".
تنظيم ألواح "الزينقو" والسقف الذي صمم له، ليس بالشكل المطلوب، تقريبًا صممت تلك الكرفانات بشكل عشوائي وسريع، أقرب لأن نقول لا تصلح للعيش الأدمي، وفق حمد.
شكاوى من يعيشون في الكرفانات بدأت تنهال على البلدية، حسب حمد، وتكتفي البلدية بالمواساة وطمأنتهم بأن محنتهم ستُحل قريبًا.
قضية الكرفانات باتت المأوى المؤقت للمتضررين بانتظار الحل النهائي، لكّن معاناة هؤلاء زادت مع ضعف تلك البيوت "الهشة".
من أقصى مدينة بيت حانون انتقلت
إلى شرق محافظة خانيونس، تحديدا منطقة خزاعة، حيث الجرح أبلغ من السابق في هذه الأجواء.
"الرسالة" التقت بالحاجة الكفيفة تحرير النجار التي تكاد أن تكون حكايتها أقصر قصة تُروى، بعدما دمرت "إسرائيل" منزلها المتواضع، انتقلت هي وابنتها الوحيدة للعيش في كرفان، تحاول جاهدة وسط هذا البرد التأقلم مع ألواحه المعدنية بحثًا عن الدفء.
تقول بصوت متقطع: "البرد قطّع أجسادنا، ربنا يلطف فينا ويرحمنا"، تحسبنت ثم صمتت.
وعلى مقربة من كرفان الكفيفة، بيت متنقل آخر يأوي 12 فردًا من عائلة النجار أيضا، يكفي القول إن حالهم لا تختلف كثيرًا عن الحاجة تحرير، ولربما أقسى.
مدير عام الدفاع المدني سعيد السعودي، أكد أن منطقة خزاعة تتعرض لمأساة كبيرة بفعل غرق الكرفانات في منطقة حي النجار، ويقول في حديث لـ "الرسالة" إن الطواقم بدأت بوضع سواتر رملية حول المنطقة، لمنع وصول المياه إليها، "لكن لا جدوى من ذلك".
ويبقى أهالي الكرفانات وحدهم في مواجهة المنخفض "قاقون"، بأجساد أرهقها التلكؤ في إعادة الإعمار.