الانضمام لـ "الجنائية".. خيار السلطة بعد صفعة مجلس الأمن

السلطة في مجلس الأمن
السلطة في مجلس الأمن

الرسالة نت -عبد الرحمن الخالدي

ما إن سلّمت السلطة الفلسطينية وثائق انضمام دولة فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية -المختصة بمتابعة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ومقرها لاهاي-الجمعة، حتى بدأت معركةً دبلوماسية جديدة، قوبلت بردود أفعالٍ وتهديداتٍ من (إسرائيل) وحليفتها الأكبر أمريكا.

بعد أن انتهى عام 2014 بفيتو أمريكي ومسرحية دولية أحبطت مشروع "إنهاء الدولة" المقدم لمجلس الأمن، حاولت السلطة ممثلةً برئيسها امتصاص رد الفعل الدولية المتوقع، فوقعّت ما يقارب 20 اتفاقية دولية من ضمنها الإعلان الممهد لميثاق روما، تمهيدا للانضمام لمحكمة الجنايات الدولية.

صحيفة "واشنطن بوست" اعتبرت أن قرار عباس الانضمام للجنائية يعكس الإحباط العميق لدى القادة الفلسطينيين اتجاه ما يعتبرونها سياسات متشددة للحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو، بما في ذلك توسيع المستوطنات في الضفة المحتلة.

وأوضحت أن هذه الخطوة نتاج توترات حادة بعد الاشتباكات التي وقعت خلال الأشهر الماضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكذلك العدوان الأخير على القطاع، مشيرةً إلى أن هذا التحرك يُمثّل ضربةً قوية لآمال إعادة إنعاش محادثات السلام التي انهارت في أبريل الماضي.

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني، أوضح أنه من المفترض أن تصبح فلسطين عضوًا في محكمة الجنايات بعد 60 يومًا من تاريخ تقديم طلب الانضمام، وهو ما سيمكّنها من تقديم شكاوى للمحكمة سواءً من الدولة أو الأفراد الفلسطينيين أو مؤسسات المجتمع المدني.

وأشار إلى أنه من الممكن لدولة فلسطين رفع دعاوى في ثلاث قضايا أساسية هي "جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم العدوان والاعتداءات الإسرائيلية، وجريمة الاستيطان"، وغيرها من القضايا التي يمكن للمنظمات الحقوقية والأفراد أن يرفعوا بشأنها دعاوى على حكومة الاحتلال، وفق قوله.

نتائج عكسية

رغم ذلك، تحدثت "واشنطن بوست" عن أن الانضمام للمحكمة قد يأتي بنتائج عكسية، "كمقاضاة بعض الفلسطينيين بسبب تصرفات (حماس) التي تعتبرها الولايات المتحدة و(إسرائيل) منظمة إرهابية".

القيادي في حماس إسماعيل رضوان، أكد أن توجه الرئيس عباس للمنظمات الدولية خطوة في الاتجاه الصحيح، "وهي ضرورية لملاحقة قادة الاحتلال".

وقال في تصريحاتٍ صحفية: "هذه الخطوة ليست كافية، والمطلوب رفع دعاوى قضائية ضد الاحتلال"، مؤكدًا ضرورة توحيد الجهود على أساس الثوابت وخيار المصالحة، وعدم الرهان على مسلسل الخيارات العبثية.

كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، أكد أن "العمل جارٍ للإعلان عن فلسطين دولة تلتزم بكل المواثيق والأعراف الدولية، مع الالتزام بوجوب تغيير بعض القوانين الفلسطينية لملاءمتها مع ما تم التوقيع عليه".

في المقابل، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى دعوة المحكمة الجنائية الدولية لرفض الطلب الفلسطيني للانضمام إليها، متعهدًا بحماية الجنود الإسرائيليين من أي ملاحقة قضائية، ومهددًا بأنه سيتخذ خطوات لم يحددها ردًا على طلب الانضمام.

وقال نتنياهو إنه يتوقع أن ترفض المحكمة بشكل قاطع الطلب الذي وصفه بـ "الزائف" للسلطة، معتبرا أنها "ليست دولة بل كيان شكّل تحالفا مع منظمة إرهابية، هي حماس، التي ترتكب جرائم حرب"، كما قال.

أيّدته بذلك الولايات المتحدة التي لم تكتفِ بمعارضة مشروع القرار الفلسطيني في مجلس الأمن، بل تمادت في رفضها لأي محاولات فلسطينية لإثبات الكيان الفلسطيني في المحافل الدولية، حيث أعلنت أنها "تعارض بشدة" الطلب الفلسطيني للانضمام للجنائية، في خطوة وصفتها بأنها "غير بنّاءة".

وبعد توقيع عباس لطلبات الانضمام، قالت الخارجية الأمريكية في بيانٍ لها، "هذا يحقق شيئًا من تطلعات الشعب الفلسطيني نحو قيام دولته المستقلة ذات السيادة".

كما هددت واشنطن بوقف مساعداتها للسلطة، خاصة أنها تقدم نحو 400 مليون دولار سنويًا على شكل معونات اقتصادية للفلسطينيين، موضحةً أن القانون الأمريكي ينص على قطع هذه المعونة إذا استخدم الفلسطينيون عضوية المحكمة الجنائية الدولية في إقامة دعاوى قضائية ضد (إسرائيل).

وكانت السلطة قد سلّمت ممثل الأمم المتحدة صكوك المعاهدات التي وقعها الرئيس محمود عباس، ثم باشرت بإعداد الدعوى القضائية التي ستقدمها للمحكمة الدولية في لاهاي، وتطالب بالتحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية منذ 13 يونيو عام 2014.

وقد احتفظ الفلسطينيون لأنفسهم بحق توسيع نطاق هذه الفترة الزمنية، بحيث تسمح لهم معاهدة روما -إن أرادوا- طلب التحقيق في جرائم ارتكبت في فلسطين منذ تأريخ تأسيس المحكمة، أي في 1 يوليو عام 2002.

الخذلان الفلسطيني الأخير بعد رفض مشروع "إنهاء الاحتلال" قبل نهاية 2017، يتطلب مراجعةً شاملةً لأسس التعامل مع المجتمع الدولي، وعدم التعويل فقط على العلاقات في كسب الدعم الدولي، كما يستوجب الالتفات إلى الداخل وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتجديد العلاقات مع التيارات السياسية كافة، لتحقيق ما يصبو له كل فلسطيني.