مع استقبال العالم للعام الجديد، يتطلع الغزيون أن تحمل هذه السنة تغييرات تُزيح غيمة العذاب عن سماء مدينتهم، وتأتي بأخرى تُحسّن الأحوال المعيشية والاقتصادية بعد ثلاث حروب خلال 6 أعوام.
ويبقى السؤال، ماذا تحمل السنة الجديدة في جعبتها؟ مواجهة عسكرية جديدة أم استقرار وتثبيت للتهدئة بين المقاومة الفلسطينية و(إسرائيل)؟
ولا يمكن الإجابة عن السؤال السابق إلا بدراسة عدة متغيرات فاعلة على الساحة الفلسطينية و(الإسرائيلية) أهمها الحصار والانتخابات (الإسرائيلية) وأزمة المعابر والإعمار، بالإضافة لإمكانية تفعيل مصر لدورها في الوساطة، ناهيك عن مصير المصالحة الفلسطينية؟
حصار غزة
بعد 51 يومًا من الموت خلال العدوان على غزة تطلّع الغزيون لأن تُفرج الأزمة الاقتصادية، إلا ان آمالهم خابت بتملص دولة الاحتلال من اتفاق التهدئة الذي رعته القاهرة، فالوضع المعيشي في غزة لا يحسد عليه أهلها، فالركود سيد الموقف في السوق المحلي وفق ما تشير الاحصائيات، وعشرات الآلاف يرزحون تحت خط الفقر.
وفي حلقة مفرغة، تدور "أزمة المعابر" بين السلطة الفلسطينية وهيئة المعابر بغزة، إذ طالبت السلطة مؤخرًا بتسليمها جميع المعابر دون وجود أي موظف من الحكومة السابقة فيها، أما هيئة المعابر وحماس فرفضتا ذلك قطعيا، ودعت للشراكة بين الموظفين القدامى والحاليين، وهذا ما تدعمه الفصائل الأخرى بغزة بعيدًا عن الاقصاء لأي أحد.
الحالة السابقة تجد فيها مصر ودولة الاحتلال ذريعة لعرقلة العمل في المعابر وتأجيل فتح معبر رفح والذي يعد المنفذ البري الوحيد أمامهم.
أوضاع الغزيين التي لم تتغير قد تكون سببا بحسب محللين لانفجار في أي وقت؛ نتيجة للضغوط المتزايدة، ومحاولة لحلحلة أوضاعهم، خاصة وأن الحكومة التي شكلها الفلسطينيون قبيل الحرب على غزة، لم توفِ بالتزاماتها المنوطة بها بحسب الدلالات على الأرض وخاصة إعادة الإعمار الذي بات من أهم الملفات على الساحة.
مصر والتهدئة
تذرع مصر بالأوضاع في سيناء كمبرر لإهمال استكمال المفاوضات غير المباشرة يعد أيضا من أحد الأسباب التي قد تؤدي لانفجار في وجه الاحتلال بحسب المحلل السياسي عبد الستار قاسم، معتبرا أن مماطلة مصر المتعمدة في استكمال المفاوضات دون أي أسباب موضوعية ستدفع الطرف الفلسطيني للبحث عن طريق آخر غير استجداء مصر لإجبار الاحتلال على استكمال المفاوضات.
وتوقع قاسم أن يكون ذلك الطريق عسكريًا إذا بقيت الأمور على حالها خلال الفترة المقبلة.
الأوضاع (الإسرائيلية)
ورغم أهمية الحالة الفلسطينية في تحديد أولويات الفترة المقبلة إلا أنه لا يمكن استثناء الأوضاع في دولة الاحتلال خاصة وانها مقبلة على انتخابات واعتادت على استخدام غزة كورقة داعمة في ذلك المجال.
ويؤكد المختص في الشؤون (الإسرائيلية) عدنان أبو عامر أن أقل احتكاك على حدود غزة، يضر بالسمعة الانتخابية لرئيس الحكومة (الإسرائيلية) الحالي بنيامين نتنياهو، لذا فلن يسمح بتنقيط الصواريخ على جنوب (إسرائيل) عبر استخدام أسلوب الردع القائم على الردود العسكرية الآنية والمحددة.
ويرى أبو عامر أنه في ظل الوضع (الإسرائيلي) مطلوب من الفلسطينيين عدم الاستجابة لأي استدراج (إسرائيلي) للمواجهة، فيما ترجح مجريات الأمور إلى عدم ذهاب دولة الاحتلال لمواجهة مفتوحة عشية انتخاباتها، فتجربة حرب 2008 حاضرة بقوة في أذهان القادة (الإسرائيليين).
فيما يحذر بعض المتابعين للشأن (الإسرائيلي) من تهور غير محسوب قد يقوم به نتنياهو ليرفع أسهمه في المعركة الانتخابية القادمة التي يبدو فيها منافسوه أصحاب ثقة بالفوز على أرضية فشل نتنياهو في تحقيق أهداف دولة الاحتلال في الحرب الاخيرة على غزة، في ظل الخروقات المستمرة للتهدئة واستمرار المقاومة في تطوير قدراتها استعدادا لأي طارئ.
إلى أين تتجه الأمور؟
ويرجح محللون أن تتجه الأوضاع تدريجيًا نحو الانفجار أو المواجهة العسكرية في حال بقيت المعابر مغلقة والمفاوضات غير المباشرة معلقة، والحكومة الفلسطينية مقصرة بحق غزة والإعمار.
وعلى الوجه الآخر إن فُتحت المعابر واستأنفت المفاوضات حول التهدئة، وأدت الحكومة واجباتها اتجاه غزة، ودارت عجلة الاعمار فالاستقرار سيكون سيد الموقف.
الطرفان - (إسرائيل) والمقاومة الفلسطينية - يبدو أنهما يتجنبان المواجهة العسكرية ولا يسعيان لها، فالطرف الفلسطيني ما زال يلملم جراحاته ويرمم قدراتها العسكرية، كما لازال العديد من الغزيين في العراء وهذا ما أكده المحلل السياسي مصطفى الصواف.
في المقابل ويرى أن وضع الجبهة الداخلية للاحتلال لا يسمح بالذهاب لحرب جديدة نتائجها معروفة مسبقاً، فالاحتلال حاول خلال الفترة الماضية إيجاد تسهيلات على المعابر بشكل محدود كإبر تخدير للوضع الانساني بغزة من خلال إدخال كميات قليلة من المواد الاعمار.
وبدوره يرى قاسم أن (إسرائيل) إن استشعرت بقرب تدهور الأمور قد تلحلح جمود المفاوضات غير المباشرة لدى الجانب المصري، وتُسهل بشكل محدود العمل على معابر غزة، وتُقلل من خروقاتها للتهدئة، فهي تأخذ تهديدات المقاومة بالحسبان.
ويعتبر قاسم أن أي تطورات بغزة من شأنها أن توتر الوضع الاقليمي برمته، وهذا ما لا تريده الاطراف الدولية كافة، ما سيدفعها لحل مشكلاتها في المرحلة القادمة.
واستبعد الصواف بأن تتجه الأمور لمواجهة عسكرية خلال العام الجديد، ورأى أن ترتيب البيت الداخلي هو أسهل السبل للخروج من الوضع الراهن.