هل تعود أسطورة "عقل" في ذكراه؟

الاسطورة عماد عقل
الاسطورة عماد عقل

غزة- الرسالة نت (خاص)

ذات يوم أطلق خامس رئيس وزراء "لإسرائيل" إسحاق رابين، لقب "الأسطورة" على القيادي الراحل في كتائب الشهيد عز الدين القسام الذراع المسلح لحركة حماس الشهيد عماد عقل، ثم تلته ألقاب متعددة أبرزها "صاحب الكوفية الحمراء، وأبو الـ7 أرواح".

لم تكن الألقاب تلقى جزافًا على "عقل"، الذي يعتبر قائدًا ميدانيًا لحركة حماس، وأحد مؤسسي كتائب القسام في الضفة المحتلة، وإنما بعد تشكيل مجموعات مقاومة لمجابهة الاحتلال على أرض فلسطين، فقد انتقل ابن غزة للضفة المحتلة، وعمل على تشكيل مجموعات مقاومة هناك في منتصف الـ 1992.

تعددت تحركات عقل، وبدأت عملياته وقتئذ بالازدياد، وظل يجوب الضفة المحتلة وهو يقاتل الاحتلال، ويشكل المجموعات المقاومة ضده، ومارس عمليات عدة أبرزها تحطيم سيارات للمخابرات الإسرائيلية، وقتل ضباط وجنود "إسرائيليين"، وإثخان العدو.

من عماد؟

عماد حسن إبراهيم عقل ولد في 19 يونيو (حزيران) من عام 1971 في مخيم جباليا الواقع شمال قطاع غزة، والده كان يعمل مؤذناً لمسجد الشهداء في المخيم، وهاجر أهله بعد حرب 1948 من قرية برير القريبة من المجدل.

انتخب عماد في بداية العام 1991 ضابط اتصال بين "مجموعة الشهداء" وهي أول مجموعات كتائب عز الدين القسام.

في السادس والعشرين من ديسمبر/كانون أول، أصبح عقل مطاردًا من "إسرائيل"، وكان شكله مجهولًا للاحتلال، وكان يمر بينهم وعن حواجزهم دون أن يظفروا به. وانتقل في الثاني والعشرين من مايو/أيار، انتقل للضفة وعمل وقتئذ على تشكيل مجموعات جهادية هناك.

وعُرف الشهيد القائد بخفة حركته وسرعة بديهته وخبرته العسكرية التي أذهلت القادة العسكريين الصهاينة، وجعلتهم يعدونه أخطر مطاردي الضفة وقطاع غزة، حتى أطلقوا عليه اسم (المطارد ذي الأرواح السبعة)، وذلك لتمكنه من الإفلات من قبضة جيش الاحتلال أكثر من سبع مرات، رغم وجود عشرات الحواجز العسكرية في الطرقات ووجود صورة الشهيد لدى الجنود والضباط الصهاينة.

وفي يوم الأربعاء الموافق 24/11/1993 وبعد أن تناول الشهيد طعام الإفطار مع بعض رفاقه في حي الشجاعية وعند خروجه من المنزل الذي كان فيه حاصرت قوات من الجيش  الحي بعد أن حددت لها المخابرات الأمريكية مكانه.

بدأ تبادل إطلاق النار بين الشهيد وقوات الاحتلال أسفر عن مصرع عدد من جنود الاحتلال، واستشهاد عماد عقل بعد أن أصاب  جسده إحدى القذائف المضادة للدروع الذي استخدمها الجنود في معركتهم مع عماد وقد أصابت القذيفة وجهه، ويقول شاهد حضر دفن الشهيد "وجدنا في جسمه 70 طلقة وعدة طعنات بالسكاكين".

وجاءت ردة الفعل "الاسرائيلية" على مقتل "عقل" على اعتبار أنه "دوّخ الصهاينة وأرعبهم"، حيث قال رابين إنّ: "مقتل عماد عقل يمثل إنجازًا مؤثرًا وهامًا في الحرب ضد (الإرهاب)"، وقال أحد قادة "الشاباك" وقتها: "إن مطاردة عقل كانت من العمليات الصعبة والمعقدة والمحبطة في تاريخ عمليات المطاردة التي قام بها جهاز "الشاباك" منذ تأسيسه".

فيما قال أحد ضباط القيادة في رئاسة أركان الجيش: "كان من أخطر المطلوبين الذين عملوا في قطاع غزة، رجل ميداني بارع لم يخش شيئًا… كان من الخطورة بمكان الاصطدام به ليلاً".

فرحة الاحتلال لم تكتمل، فقد ردت حماس بعد ذلك بأسبوعين، وثأرت له في عملية أسمتها عملية "عماد عقل" قتلت فيها العقيد "مئير منتس" وهو الذي تقول عنه جريدة "معاريف "القلب والعقل المفكر للحرب الخاصة ضد "الارهاب"، ورمز من رموز الجيش ضد الانتفاضة".

زمن عقل حاضر

عجلة الزمان تعود من جديد لتعلن الضفة عودة شكلٍ من الأساطير، بعد مجابهة الاحتلال، وتنفيذ عملياتٍ عدة في عمقه، تؤدي لمقتل حاخامات وجنود ومستوطنين صهاينة.

وتعيش الضفة على وقع مواجهات يومية آخذة بالاتساع بين المواطنين وقوات الاحتلال "الإسرائيلي"، فيما تسجل الإحصائيات اليومية ارتفاعا ملحوظا في تطور هذه المواجهات وزيادة في زخمها.

لكن التساؤل يدور حول إمكانية تنفيذ المقدسيين للعمليات، والفرار دون مقدرة جنود الاحتلال على قتلهم، فهل تعود الـ"7 أرواح" تدب في المقدسيين.

عراقيل السلطة

وقد يختلف زمن "عقل"، مع هذا الوقت في الضفة المحتلة، فكان وقتئذ يتجول عماد في شوارع ومدن الضفة، ولا يجد صعوبة من تنفيذ مخططاته إلا من "سلاح إسرائيل"، ولكنّ اليوم أصبحت هنالك "سلطة فلسطينية"، تتعاطى حقنًا من التنسيق الأمني، مع الاحتلال، ولا ترغب بالتعافي من ذلك.

فمع ازدياد عمليات المقدسيين وأهل الضفة المحتلة بالضفة ضد "الإسرائيليين"، إلا أن السلطة الفلسطينية تسعى لوأد أي انتفاضة ثالثة في الضفة، من خلال حملة الاعتقالات والمداهمات التي تشنها أجهزتها والتي عمّت في كل محافظات الضفة.

وكان القيادي في حركة حماس الدكتور محمود الزهار قال " إن السلطة عبر أجهزتها تسعى لإفشال اندلاع أي انتفاضة في وجه الإسرائيليين بالضفة المحتلة". وأكد على كلامه وزير الحرب "الإسرائيلي" موشيه يعالون، بأن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة تنسق مع أجهزة الاحتلال لمنع اندلاع الانتفاضة في الضفة.

تصريحات السلطة لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل عدم سيطرتها على القدس، وهذا ما يشكل هاجسًا لدى الاحتلال من العمليات العسكرية المتلاحقة، والتي تعتبرها من أخطر العمليات وأقساها، وذلك لصعوبة كشفها وتتبعها وإجهاضها.

الكاتب والمحلل السياسي البروفيسور عبد الستار قاسم قال إن "إسرائيل صوّرت نفسها دائما بأنها واحة الأمن التي يجد فيها اليهود أمنهم وراحتهم، لكن توالي الحروب وعمليات المقاومة أخذت تقنع الإسرائيليين بأنها آخر بقعة في الأرض يمكن أن توفر الأمن للإسرائيليين".

العمليات المقدسية تعيد روح "عقل" من جديد من خلال التخطيط لها في دوائر مغلقة تمامًا، وتنفيذها في العمق، " فلا توجد فرصة أمام الأجهزة الأمنية لاكتشافها وتتبعها إلا إذا تطورت التقنية بصورة تدخل بين المرء ونفسه". وفق قاسم.

العمليات في القدس تفاجئ أجهزة الأمن، ولهذا تجد "إسرائيل" فيها ما يهدد استقراراها ومعنويات شعبها، وتقف على اثر ذلك عاجزة تماما أمامها ولا تملك سوى الوعيد والتهديد الذي قد يفاقم الأمور بالمزيد إن نفذ.

القدس غير آمنة كما صرح العدو "الإسرائيلي" قبل يومين، وهي مشتعلة وقابلة للمزيد من الاشتعال، وتنتظر اتساع رقعة المواجهات مع الاحتلال، رافعة شعارًا لذلك ومنادية " هل من مزيد".