لا يزال رئيس السلطة محمود عباس متصلبا في موقفه ولا يريد تنفيذ المصالحة التي يجول الوطن العربي والغربي مناشدا بتنفيذها على أرض الواقع، لكنه فعليا من يعرقل مسارها ويزيد من حدة الانقسام بين الضفة والقطاع.
خمس اتفاقيات وعشرات اللقاءات في مصر والسعودية وقطر وغزة لإنهاء الازمة الفلسطينية الداخلية ، لكن دون إرث سياسي وطني يرغب "أبو مازن" بتركه لشعبه عند وفاته أو مغادرته للحلبة السياسية، فتصريحاته التي يقذف بها من حين لآخر تعود بعملية المصالحة إلى أولى درجات السلم.
الأجندة الإسلامية
جملة من الأسباب تدفع عباس إلى خشيته تحقيق المصالحة الوطنية كونها تعني إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة مما يؤدي إلى انهاء تفرده بالحكم ، وهذا الأمر يدفعه إلى إلغاء مشروعه الأوحد "التسوية السياسية" .
المحلل السياسي وسام عفيفة يرى بأن عباس لديه قناعة بأن غزة ستظل عبئًا كبيرا عليه، فهي الموقع الأساسي للمقاومة ولا يمكن السيطرة عليها وإعادتها لبيت الطاعة، مبينا أنها ستبقى ثائرة االأمر الذي سيضعف سيطرته عليها.
وفي السياق يذكر عثمان عثمان أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية، أن قطاع غزة عبئا على عباس من ناحيتين، الأولى: هناك أنصار أقوياء للقيادي المفصول من فتح محمد دحلان وهذا عامل غير مريح بالنسبة له، أما الثانية فتتمثل بالمقاومة القوية والتي لا تقبل بالتنسيق الأمني، الأمر الذي يؤدي إلى خلخلة الوضع الفتحاوي المؤيد للتنسيق الامني.
ووفق رؤية مختصين في الشأن السياسي فإن رئيس السلطة يعتقد أن المصالحة قد تعطي حماس مساحة من الحرية فيما لو تم تنفيذ شروطها، وستمنحها قوة في الضفة، فهو لا يثق في حماس ويرى أنها ليست مشروع الشراكة بل مرتبطة بالأجندة الاسلامية بالمنطقة.
ويعتبر عفيفة أن "أبو مازن" صاحب نظرية التفرد بالحكم ينظر إلى المصالحة من موقع الغالب والمغلوب، وبالتالي يجب على حماس الخضوع لشروطه لاسيما في ظل المتغيرات الاقليمية كونه يريد مصالحة بناء على رؤيته .
ولم يختلف عثمان كثيرا عن سابقه، حيث أضاف لـ "الرسالة نت": "عباس رجل مغلوب على أمره فهو لا يريد المصالحة كبقية الفصائل، لأنه ينصاع لما تريده أمريكا وإسرائيل، فكلتاهما لن تسمحان بتحقيقها على الأرض"، مرجحا أن تكون بقية الأسباب التي تعيق تنفيذ المصالحة مجرد مبررات وحجج لتحميل الطرف الآخر المسؤولية.
ويرى أن المصالحة تعني تنازل من في السلطة لمن هو خارجها ، لذا تحقيقها يتطلب خروجهم ، وان وقعت دون تغيير في سياسة وهرم منظمة التحرير فهي ليست مصالحة حقيقة وستزول سريعا، وفق قول عثمان.
مظلة عربية
وعلى المستوى الاقليمي لا تزال مصر تحتكر ملف المصالحة دون التخلي عنه، وذلك بحد ذاته مشكلة كون النظام المصري يعلق الملف دون أي تحريك فيه بل يضغط على قطاع غزة وحركة حماس، التي هي أحد أطراف المصالحة.
وفي هذا السياق يقول عفيفة :" باتت المصالحة قرار ليس فلسطيني، لذا أصبحت بحاجة لمظلة عربية لم تتوفر حتى اللحظة".
في حين يوضح أستاذ السياسة عثمان، أن عدم تحقيق المصالحة من مصلحة السلطة للحفاظ على علاقاتها الدولية والعربية، فالعرب غير معنيين بوجود أشخاص لا يعترفون بالاتفاقيات السابقة كون ذلك احراج لهم، لافتا إلى أن العامل العربي والمصلحة الذاتية للمستفيدين تريد الوضع كما هو عليه .
ويُرجع عثمان، احتكار النظام المصري للمصالحة بسبب الموقع الجغرافي فهي تضغط على غزة لصالح السلطة، واصفا مصر أنها باتت تتجاوز الحدود الوطنية، " لذلك الأنظمة العربية بحاجة الى تغييرها بدءا من رأس الحربة مصر".
ورغم الجولات المكوكية بين حركتي حماس وفتح لإحراز أهداف ايجابية في ملف المصالحة إلا أنها لا تزال معلقة حتى اللحظة إلى إشعار آخر.