بعدما اطمئن أبو فريد -36 عامًا- أنه أمن غذاء أسرته من لحوم الطيور يوم الثلاثاء الماضي، وخرج لتفقد عمله، سرعان ما تلقى اتصالًا من زوجته تخبره بأن ما أحضره من "صدور الدجاج" فاسدة وذات رائحة كريهة.
غضب الرجل دفعه للعودة إلى السوق الواقع في حي الشيخ رضوان، لغاية إرجاع اللحوم الفاسدة، وبعد جدال طويل مع البائع انتهى الأمر بإعادة ثمن اللحوم، فيما عاد الرجل إلى بيته معلنا مقاطعة اللحوم المجمدة.
وتلك حالة تبين أنه تعرض لها عدد كبير من المواطنين في اسواق قطاع غزة، وبخاصة أن آلية حفظ وتجميد اللحوم في قطاع غزة تعاني أزمة كبيرة بسبب مشكلة انقطاع التيار الكهربائي اليومي لساعات طويلة، الأمر الذي يدفع ببعض التجار الذين ينحون ضمائرهم جانبا، إلى تمرير منتجاتهم حتى بفسادها للزبائن، عبر إعادة تجميدها بعد تفككها من جراء توقف ثلاجات الحفظ.
البحث الذي قادته مراسلة "الرسالة"، كشف عن أن المجمدات تعتبر من أكثر الأغذية عالية المخاطر، ولا سيما إن لم يجر الاحتفاظ بها متجمدة لحين الاستخدام المباشر، حيث أن تسرب برودتها سيفسدها ويزيد حمولتها الميكروبية والتي تسبب مشكلات صحية للإنسان.
وأجمع المختصون الذين التقيناهم في سياق هذا التحقيق، أن الميكروب الناجم عن التلوث البكتيري في المجمدات قد يسبب التهابا في الفم والبلعوم والحلق، وقد تصل الخطورة إلى حد انتقال الميكروبات إلى دم المستهلك ثم للقلب أو المفاصل.
بكتيريا مميتة
بالنزول إلى السوق للوقوف على حال المجمدات، راقبت "الرسالة" تاجرا في أحد الأسواق الشعبية الواقعة الى الغرب من مدينة غزة، قام بإرجاع الدجاج المدرج على طاولة العرض للزبائن، إلى الثلاجة، بعد سماعه نبأ دخول مباحث التموين إلى السوق للتفتيش على جودة المنتجات.
لقد اطمئن المفتش اثناء مروره من امام محل المجمدات، حيث لم يسجل مخالفة ولكنه لم يقم ايضا بفحص اللحوم واكتفى بالنظر من بعيد. بانتهاء عملية التفتيش اقتربت "الرسالة" من البائع
لتفسير عرض المجمدات خارج ثلاجات الحفظ، فأشار إلى أن معاونه في العمل قام بعرض جزء اكبر مما هو محدد للعرض من المجمدات، فاضطر للإسراع في ارجاعها قبل ان تسجل بحقه مخالفة.
وصدح الرجل بقول خالف فعله "لا نعرض إلا كما تشترط علينا وزارة الصحة والاقتصاد وما حدث أمر غير معتاد"، ثم عاد ليحدث عن معاناته مع أزمة الكهرباء التي تسهم في افساد كميات كبيرة من اللحوم التي لا يتلقى تعويضا عنها.
ويخالف ما فعله البائع، نص قانون الصحة العامة رقم 20 لسنة 2004 الفصل الرابع من المادة 19 والتي تصف المنتج الغذائي بأنه غير صالح للاستهلاك الآدمي إذا حدث تغير في خواصه الطبيعية من حيث الطعم أو المظهر أو الرائحة، أو تم تداوله في ظروف أو بطرق غير صحية.
ولكن بموجب القانون ذاته، فإن الطب الوقائي في وزارة الصحة، اضطر لإتلاف كميات كبيرة من المجمدات خلال الفترة الأخيرة. ووفقا لما قاله نائب مدير الطب الوقائي لمراقبة الأغذية محمود حميد، فإن المشكلة تكمن مع باعة التجزئة للمجمدات، والذين تدفع بهم امكاناتهم المحدودة المتعلقة بعدم توفر اماكن حفظ دائمة للإقبال على عرض المجمدات بطريقة خاطئة تؤدي إلى فسادها.
"يؤكد مدير مباحث التموين الرائد كمال أبو سلمية أن سلامة المواطنين "خط أحمر" لذا لا تهاون مع التجار الذين يخالفون الإجراءات المحددة في عملية البيع والعرض للمجمدات.
وأضاف لـ"الرسالة": "بسبب أزمة الكهرباء التي تفاقمت بعد العدوان، أصدرنا تعليمات للتجار أنه في حالة تلف اللحوم يجب إبلاغ الجهات الرسمية فوراً لإخلاء مسئوليتهم من أي مخالفة، وفي هذه الحالة يتم إتلاف المواد دون أي عقوبة، أما إذا ما اكتشف الفساد بعد المداهمة فيتم ضبط المواد وإتلافها مع اتخاذ الإجراءات القانونية ضده".
ويشدد أبو سلمية على أنه بعد التنسيق بين وزارة الصحة والاقتصاد والبلديات يجري عمل جولات تفتيش على مدار الساعة على محلات بيع المجمدات وذلك بهدف إرشاد الباعة إلى آلية العرض والبيع الصحيح وإتلاف المنتجات الفاسدة بشكل سريع.
"
هذا الواقع -حسبما قال حميد- زاد العبء على جهاز التفتيش في عملية المتابعة، "فهم بشكل دوري ومكثف مضطرون إلى إتلاف كميات من المجمدات خلال عملية التفتيش للمنتج الذي تبدو علامات الفساد واضحة عليه".
ويضيف حميد: "عملية التجميد والتطرية تسبب مشكلة للمنتج الغذائي أقلها أنه يفقد جودته وأخطرها أنه يسبب بيئة لنمو الميكروب وتزايدها يشكل خطرا كبيرا على صحة المستهلك بل إن بعض الميكروبات تنتح سموما ميكروبية ضارة للإنسان إذا لم يحدث لها معالجة حرارية جيدة".
وخلال البحث تبين لنا أن بكتيريا "كلوستريديم بوتبولينيوم" تعد أحد أخطر أنواع البكتيريا التي تظهر في المجمدات، فهذه البكتيريا تفرز سمومها في المادة الغذائية وفي حالة عدم معاملة الغذاء بالحرارة الكافية يحدث تسمم غذائي وبعض التسمم إذا لم يأخذ مضاد سموم قد يؤدي إلى الوفاة.
ووفقا لما أظهرته محركات البحث عن هذا النوع من البكتيريا، فإن الفئات العمرية الأكثر عرضةً لخطر التسمم الغذائي الناتج عنها، هم الأطفال دون سن 12 سنة والبالغون الذين تزيد أعمارهم عن 60 سنة والسيدات الحوامل والمرضعات واصحاب الحالات الصحية المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري.
غير أنه لم يسجل لدى دائرة الطب الوقائي في وزارة الصحة، إلا حالات نادرة أصيبت بالتسمم الغذائي، وهو أمر يبرره حميد بأنه عائد إلى ثقافة عدم مراجعة المستشفى لدي أبناء المجتمع.
لحوم مجمدة..طازجة
خلال البحث أيضا، عثرنا على أحد التجار المعروفين، الذي اساء تخزين اللحوم المكدسة مع الاحشاء الداخلية للحيوانات، خلال فترة عيد الاضحى الماضي، التي تتراجع فيها القدرة الشرائية لدى المستهلكين. حيث اشترى كميات كبيرة من الأحشاء الداخلية وجمدها ثم بدأ مؤخرًا ببيعها على أنها طازجة بعد تفككيها.
وناهيك عن خطر التجميد بعد تفكيك اللحوم إلا أن التاجر-تتحفظ الرسالة على اسمه- أقدم على تجميد "الكبد والفشة" مع "الكرش" في ثلاجة واحدة علما أن ذلك يعد أمر غير صحي. لهذا قامت مباحث التموين لاحقا بتسجيل مخالفة قانونية بحق التاجر بعد أن قامت بإتلاف الكميات التي لديه من المجمدات.
رئيس القسم الفني في حماية المستهلك معين حويحي قال لـ"الرسالة"، أن عملية التجميد المواد الغذائية في غزة ممنوعة بشكل قاطع بسبب عدم وجود آليات مناسبة للتجميد.
وأضاف حويحي الذي استغل القليل من الوقت وسط المراجعين: "ما فعله هذا التاجر مضر جدًا بصحة المستهلك، كون التجميد البطيء في ثلاجات غزة غير صحيح، نحن نعتبر هذا التجميد فاسدا بشكل تلقائي، وهذا أمر سهل اكتشافه في أسواق غزة".
ويشيد حويحي بقرار وزارة الاقتصاد بإجبار التجار على عرض المجمدات في ثلاجات مخصصة مشيرًا إلى أنه حدث أن اضطر المفتشون لعمل محاضر لسوق بأكمله وكان الهدف من ذلك ضبط عملية البيع مقرًا أنه لا يمكن الضبط بشكل كامل لذا على المواطن الوعي بذلك.
أمراض خطيرة
ووفقا للآلية المعمول بها قانونا، فإنه في حالة استيراد المجمدات تشترط الجهات الرقابية نقلها من معبر كرم أبو سالم (المعبر التجاري الوحيد مع (اسرائيل)) إلى المخازن بسيارات ذات تبريد مناسب، ثم تتابع فرق التفتيش بناء على كشوفات المعابر البضائع في الأسواق لجلب العينات ومراقبة المعروض وتطابقه مع المواصفات، وفي حالة المخالفة يحكم في هذه القضايا من قبل الجرائم الاقتصادية بتهمة "عرض بضاعة بطريقة تعرضها إلى الفساد السريع".
يقول الطبيب والمدير الفني في مؤسسة المواصفات والمقاييس- بوزارة الاقتصاد د. رمضان شامية إن آلية تعامل الاحتلال مع البضائع المستوردة من المجمدات تتسبب في تلف الاغذية سواء بسبب طول فترة حجزها أو لارتفاع حرارة الجو أو فرض إدخال المنتجات مكشوفة لدواعي الرقابة. يضاف إلى ذلك حسب شامية، "عرض التجار للمجمدات بكميات كبيرة ثم إعادة تعريضها للبراد مجددا بعد تفككها من الثلج، مما يتسبب بمأساة زيادة الحمل الميكروبي".
لهذا طالب شامية أن يكون المواطن هو المراقب الأول على المنتجات الفاسدة من اللحوم، قائلا: "يجب أن ترتقي ثقافة المواطن لمعرفة آلية حفظ وعرض اللحوم المجمدة".
ويوضح شامية وهو طبيب بيطري، أن الميكروبات قد يبدأ أثرها بحدوث التهاب في الفم والبلعوم والحلق، نتيجة أن بعض الميكروبات أحادية الخلية تكمن في تلك الاعضاء، ومن ثم تنتقل إلى الدم ثم إلى القلب.
ولفت في الوقت نفسه إلى أن ذات الميكروب الناجم عن التلوث البكتيري في المجمدات، قد يؤثر على مفاصل جسم الانسان، وقال: "هذا الأمر يتكرر مع الكثير من الناس، دون أن يلتفتوا لمسبب المرض والناتج عن تلوث المجمدات".
عرض كميات زائدة
ويعمل رئيس قسم مراقبة الأغذية وترخيص المهن ببلدية غزة رشاد عيد يوميًا على إعداد جدول خاص بمفتشي قسمه للرقابة على منتجات أسواق مدينة غزة ومن ضمنها مجمدات اللحوم والخضراوات، لذا فهو يقدر جهد البلديات بأنه يشكل 70% من الجهد الرقابي على الأسواق.
ويرى عيد أن قضية فساد المجمدات تصادفهم في محلات الفرعية المقامة داخل الأسواق مضيفًا: "كنوع من الجشع من بعض التجار تُعرض كميات تزيد عما يمكنه بيعه، ثم يقوم بإعادة الفائض إلى الثلاجة مرة أخرى لعرضه في اليوم التالي وهذا يشكل خطرا صحيا على المستهلك".
وبحسب رواية طواقم التفتيش الذين التقيناهم في سياق هذا التحقيق، فهم يمكنهم بالعين المجردة اكتشاف البضائع التي جرى تفكيكها ثم تجميدها، مؤكدين أنه في حال ضبط مخالفات في طريقة العرض أو اكتشاف مواد تظهر عليها علامات الفساد، يقومون فورا بإتلافها، ويضطرون للجوء إلى محكمة البلدية أو مباحث التموين وفقا للحالة، لأخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقها.
ورغم أهمية الدور الرقابي الذي يلعبه المفتشون، لكن عيد شدد على أهمية دور المواطن، لأنه "الرقيب على نفسه في المقام الأول، ويجب أن يتأكد من أن اللحوم مخزنة بطريقة جيدة ومعروضة بطريقة سليمة، وعليه أن يتحرى التجار مواضع الثقة".
ويعود إقبال المواطنين على المجمدات أكثر من اللحوم الطازجة في قطاع غزة، إلى الوضع الاقتصادي المتردي خصوصا وأن مستوى الفقر يزيد عن 40%، ما يعني أن القدرة الشرائية لا تساعد على اقتناء كيلو اللحم الطازج بقيمة مضاعفة لقيمة اللحم المجمد.
الفحص ..24 ساعة
ويعتبر رائد الجزار مدير عام المكاتب الفرعية وحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، أن هناك بعض التجار يحاولون استغلال الوضع الاقتصادي المتردي وحالة الحصار المطبق على المواطنين وعدم قدرتهم على التخلي عن اللحوم المجمدة لرخص اثمانها، في غشهم واستغلالهم.
ويشير الجزار إلى أن غالبة الكميات التي يجري اتلافها من اللحوم المجمدة الفاسدة، تكون بحوزة تجار التجزئة الذين لا يستطيعون تسويق الكميات لديهم، فيضطرون لإعادة تخزينها بعد تفكيكها ضاربين عرض الحائط بالمخاطر الصحية والعقوبات القانونية.
وقال: "هؤلاء يقومون بالتلاعب خلال عملية البيع بعرض المجمد وتبريده وأوقات تعريضه للشمس، ثم تجميده مجددا.. احيانا يقومون بفرم اللحوم المثلجة وعرضها وهذا خطير لأنه يعرض المنتج لنمو بكتيري".
الجزار الذي لا يملك رقما دقيقا حول كميات اتلاف اللحوم المجمدة الفاسدة، قال "إن المفتشين في حالة تعرض المثلجات للشمس أو تبريدها يقومون بإخطار صاحب المنتج مباشرة لإتلاف ما لديه وتحرير محاضر ضبط مخالفة لإتلاف الكمية".
أما عن آلية مراقبة تلك البضائع فقال مدير عام المكاتب الفرعية وحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد: "نكتفي بالعين المجردة، لو لاحقنا متطلبات الفحص في المختبر سنعمل أكثر 24 ساعة وهذا أمر مرهق". وهذه المسألة تدلل على أن الوزارة تكتفي بتسجيل الملاحظة بدلا من اخضاع العينات للفحص المخبري.
تراجع البيع
ويقدر صاحب شركة "صالح فدعوس وإخوانه" خسارة شركته بسبب عمليات الاتلاف الناجمة عن أزمة الكهرباء بعد العدوان الاخير على غزة ما بين 200 - 250 ألف دولار.
ويقول فدعوس لـ"الرسالة": "أحدثت أزمة الكهرباء شللا غير طبيعي في عملية البيع، وزادت كمية الاتلاف في منتجاتنا، حيث يفترض أن ترد لنا البضائع كمرجعات من السوبر ماركات والمحلات التجارية".
ويشير فدعوس إلى أنهم يضطرون إلى ترشيد الكميات الموزعة في السوق ويقول: "نخفض الكميات التي اعتدنا توزيعها في السوق حتى نخفف من حجم الضرر الذي يقع في حالة عدم البيع بسبب أزمة الكهرباء".
يعتقد التاجر أن أزمة الكهرباء تتسبب في تخفيض قدرة تجار التجزئة على الاحتفاظ بكميات المجمدات بالكميات المعتادة كما أن المنازل الفلسطينية لم تعد قادرة على الاحتفاظ بالمجمدات بل تقتصر على شراء الطعام بشكل يومي.
فدعوس الذي لا ينكر فساد المجمدات بسبب طريقة العرض وأزمة الكهرباء ايضا، قال "إن المستهلك يجب أن يكون ذا ثقافة بمثل هذه المخالفات الصحية"، مناشدا المسئولين حل أزمة الكهرباء لتقليل نسبة اتلاف المجمدات.
مما لا شك فيه أنه يوجد خلل في منظومة التجميد في قطاع غزة، مما يستدعي أن تزيد الجهات الرقابية ( وزارة الصحة ، وزارة الاقتصاد ، البلديات) مراقبتها ومتابعتها للأسواق، كما يقع على المواطن دور هام في التجاوب مع جهات الرقابة، لأن مجرد تسجيل شكوى ضد تاجر "فاسد" سيحافظ على صحتك وصحة مجتمعك.