زغردت غزة بقدوم رئيس الحكومة رامي الحمد الله مطلع الشهر المنصرم, مطلقةً العنان للتفاؤل بأن ظلمة الحصار قد انتهت بوعودات أطلقها الحمد الله ووزرائه بشكل متتالٍ, إلا أنه غادر غزة آخذًا الوعودات في حقيبته دون تنفيذ !
"سنعمر غزة , سنوحد المؤسسات , سندعم المصالحة , سننهي أزمة الموظفين " السين وما تبعها من بشريات تكررت على لسان الحمد الله وهو يطأ أرض غزة , إلا أن الأخيرة لم تر من تلك الوعودات شيئًا سوى تلك الحروف تطايرت في سمائها .
أول تلك الملفات وأولاها "إعمار غزة ", الذي تحملت مسؤوليته حكومة التوافق, بعد التوقيع على إتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل برعاية مصرية نهاية أغسطس الماضي, إلا أنها تكاسلت وبوضوح في العمل لإنجازه .
لم تكتف بإهماله بحجة عدم توفر الأموال التي وعدت بها الدول في مؤتمر إعمار غزة, فيما تنتظر أن تصل الأموال لخزائنها دون أي تحركات دبلوماسية في تلك الدول من شأنها أن تحرك المياه الراكدة, بل وصلت إلى حد أن تربط بعض قيادات السلطة إنجاز الإعمار بنتائج التحقيقات حول تفجيرات غزة الأخيرة .
ووفق ما جاء على لسان حسين الشيخ رئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية الذي قال :" إن استمرار هذه الأعمال سيؤدي إلى وقف عملية الاعمار وسيجعلها في مهب الريح", تبدو آلام المنكوبين أضحت أداة ضغط لصالح الاتهامات السياسية الملقاة جُزافًا دون أدلة.
حركة حماس رفضت حديث الشيخ, إذ قال القيادي في الحركة صلاح البردويل لـ "الرسالة نت" إن عملية التلويح بوقف الاعمار هو عدوان يطال الشعب الفلسطيني برمته وليس حركة حماس، وحرب معلنة على قطاع غزة.
وقال إن حركته لن تقبل بأي عملية ابتزاز أو مساومة بعملية الاعمار ولن تصمت على ذلك, مطالبًا قيادات حركة فتح بعدم التهور والتعقل في إلقاء التهم ضد الحركة قبل إنتهاء التحقيقات الأمنية.
يمتد حبل الإهمال لملف لا يقل خطورة عما سبقه, "الميزانيات التشغيلية في الوزارات" , عنوان تصدّر أزمات قطاع غزة خلال الأيام الماضية, فعلى صعيد وزارة الصحة, التي أطلقت عشرات نداءات الاستغاثة, حول توقف خدمات النظافة والطعام في أروقة المستشفيات, لا إجابة بتاتًا سواءً بالسلب أو الإيجاب من أركان الوزارة بالضفة المحتلة!.
وتتحجج وزارة الصحة في رام الله بأنها لم تطلع على اتفاقات الشركات العاملة في مستشفيات غزة, ولذلك لا تستطيع دفع مخصصات لها, إلا أن حجتها تتكسر على أعتاب الظرف الإنساني الخاص في قطاع غزة ومستشفياته .
موظفو غزة
"ملف موظفي غزة" وكفى به من أزمة تنكص حياة الغزيين كافة ! , موظفو الحكومة الفلسطينية العاملة سابقًا بغزة تحملوا الكثير من المعاناة في ظل إستمرار تمايل أرجوحة الحجج التي تعتليها الحكومة والسلطة الفلسطينية هربًا من دفع حقوق الموظفين أو تسوية أوضاعهم منذ 5 أشهر ! .
وبعد طول إنتظار وحوار , قسّمت حكومة التوافق الموظفين لنوعين , منهم المدني وله نصيبٌ دفعة مالية من الحوالة القطرية المخصصة لحل هذه الاشكالية, وعسكريٌ لا تراه الحكومة يستحق حاليًا – على الأقل – أي دفع مالية, فيما يبقى تسويتهم بموظفي السلطة الفلسطينية أمرٌ معلق في يد لجنة لم تُعين بعد .
وفي واقعة أشبه ما تكون بـ "الفضيحة" , كشف رئيس اللجنة الاقتصادية في المجلس التشريعي الفلسطيني النائب عاطف عدوان عن عدم شمول موازنة السلطة الفلسطينية عام 2015 لقطاع غزة, كدليلِ جديد على عدم صدق النوايا لدى الحكومة بالتملص من واجباتها تجاه القطاع.
المعابر
"إدارة المعابر"، حيث صدّعت الحكومة رؤوس أهل غزة بضرورة تسلمها لمعابر غزة المتمثلة بكرم أبو سالم وبيت حانون ومعبر رفح, وهذا ما رحبت به الحكومة السابقة بغزة, إلا أن حكومة التوافق لم تبدأ أي إجراء فعلي لتسلمها , سوى الحديث على الإعلام عن ان الاعمار مرتبط بها, وفتح معبر رفح مرتبط بوجود حرس الرئاسة وهذا ما لم تعارضه حركة حماس أبدًا .
تقصير حكومة التوافق مدانٌ من جميع الفصائل الفلسطينية, نجاة أبو بكر النائب عن حركة فتح قالت في تصريح سابق لـ "الرسالة نت" إن الحكومة مقصرة في متابعة شؤون قطاع غزة , في ظل تزايد احتياجاته في الفترة الحالية.
وأكدت أبو بكر أن الحكومة تأخرت كثيرًا في حل مشاكل قطاع غزة المتراكمة خلال السنوات الماضية, فيما طالبت الحكومة بضرورة وضع جداول للعمل في غزة, وكذلك صرف الميزانيات المطلوبة لعمل الوزارات بالشكل المناسب .
فيما انتهت القوى الوطنية والفلسطينية في اجتماعها الطارئ بغزة منذ أيام إلى دعوة الحكومة لأداء مهامها وتحمل مسئولياتها بشكلٍ كامل اتجاه معاناة قطاع غزة، وفي مقدمتها البدء بالإعمار مطالبةً بتشكيل لجنة وطنية لدعمه ومتابعته.
وحول ملف المعابر، أكدت القوى على ضرورة تسلّم مسؤوليات المعابر وإدارتها بشكلٍ فوري بما يحقق فك الحصار وضمان دخول مواد الإعمار دون إبطاءٍ, داعيةً رئيس السلطة محمود عباس للتنسيق مع مصر لتسلّم معبر رفح فوراً، بما يمكّن سكان القطاع من حرية التنقل والمرور منه وإليه بعيداً عن القيود القائمة التي تفاقم من معاناتهم.
زيارة غزة
بعد أسابيع من الغياب المصحوب بالإهمال قرر رئيس الحكومة زيارة غزة مجددًا علّه يأتي بجملة وعودات جديدة على أمل تحقيقها لاحقًا, إلا أنه في الليلة التي سبقت حضوره بيوم شهدت غزة عدة تفجيرات طالت منازل لقيادات في حركة فتح فيما لم تحدد هوية الفاعلين, لتؤجل الزيارة إلى أجل قد يصل الإلغاء.
وزير الاشغال العامة مفيد الحساينة وجد في حادثة التفجيرات مبررًا كافيًا لتأجيل زيارة الحمد الله ومعها تأجيل كافة الأزمات الحالية التي تلزم وجوده في غزة للعمل على إنهائها, إلا أن حماس قالت إن قرار رئيس الوزراء حول تأجيل الزيارة يضعه تحت مسمى مسؤولًا فتحاويًا لا حكوميًا وفق ما قال سامي ابو زهري الناطق بإسم الحركة .
وقال الحساينة في حديث لـ "الرسالة نت" إن حكومته ستوفي بالتزاماتها كافة اتجاه قطاع غزة خلال الفترة القادمة, داعيًا الجميع لإعطائها الفرصة الكاملة لحل كافة الأزمات خلال المرحلة المقبلة .
أما نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق الذي ردّ على حجة الحكومة في تقصيرها تجاه غزة بعدم استلامها للأمور الأمنية في غزة أو المعابر بأن منّ طلب ذلك هو رئيس السلطة محمود عباس بتأجيل ملف الأمن إلى ما بعد الانتخابات .
ووصف أبو مرزوق ما يجري حالياً بـ "سياسة إدارة الظهر", مؤكدًا أنها غير معقولة وليست مبررة، عبر عدم توحيد المؤسسات ورفض دفع رواتب الموظفين، والاصرار على عدم الدفع، باستحضار الذرائع العديدة لتبرير ذلك, داعيًا لمراجعات داخلية لكافة أمور المصالحة.
ما بين زيارة الحكومة وتأجيل أخرى , وتقصير واضح تجاه الأزمات التي تعصف بغزة, إلا أن الأمل ما زال يحذو أهلها, فيما ستبقى سجلات التاريخ ترسم بحروفها صمود مدينة قدمت دماء أبنائها دفاعًا عن ثوابت الشعب, وتناسى أولو أمرها حقها في حياة كريمة .