إعمار غزة أسير "تجار الحروب"

شاحنات محملة بالاسمنت
شاحنات محملة بالاسمنت

تحقيق -أحمد الكومي

كل شيء -عدا الهواء-كان ساكنا في مصنع شركة التعاون للباطون الجاهز بالمحافظة الوسطى في قطاع غزة. ينتظر صاحبه -محمد العصار- بحرقة إدخال مواد البناء وأهمها الاسمنت؛ من أجل أن يبعث الحياة فيه من جديد، ويساهم في إعمار ما دمّره الاحتلال (الإسرائيلي) إبان عدوانه الأخير.

لم تكن ملامح وجه العصار تشي بالتفاؤل، بل بدا غير مرتاح للآليات المفروضة على شركات توزيع مواد البناء، التي يستورد منها الاسمنت. فالمعلومات المتوفرة لديه تفيد أن بعض هذه الشركات وقّعت مرغمة على "عقود مجحفة جدا"، وفق تعبيره، مع شركة "سند" للصناعات الإنشائية من أجل اعتمادها "موزعا معتمدا" للإسمنت في القطاع.

حاولنا الحصول على نسخة من تلك العقود لكننا اصطدمنا برفض أصحاب شركات التوزيع؛ تحت ذريعة أنها ليست نهائية وأنهم ينتظرون توقيع الشركة عليها، رغم أن "سند" هي صاحبة العقود.

جهود الإقناع التي سلكناها مع بعض التجار -نتحفظ على أسمائهم-أوصلتنا إلى معرفة أهم بنود تلك العقود التي أظهرت تفرّد "سند" بتوريد كل ما يتعلق بالقطاع الإنشائي إلى غزة، حينما تشترط على التاجر ألا يستورد من طرف آخر، فيما تعطي الحق للشركة ببيع أي طرف غير التاجر المعتمد، إلى جانب أنها ترفع قيمة أرباح الشركة على حساب الموزعين، علما بأن "سند للصناعات الإنشائية" هو الاسم الجديد للشركة الفلسطينية للخدمات التجارية (PCSC)، الوكيل الحصري لشركة نيشر (الإسرائيلية) (Nesher) التي تعتبر "منتجة الإسمنت لـ(إسرائيل)، كما تعرّف نفسها في موقعها الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت.

"

الشركة المورّدة للإسمنت اشترطت إعادة تأهيل مصانع الباطون مقابل أن تدخل بشراكة مع أصحابها بنسبة 30%

"

وتعتبر (PCSC) الذراع الاستثمارية لصندوق الاستثمار الفلسطيني في قطاع الصناعات الإنشائية، الذي يرأس مجلس إدارته حاليا الدكتور محمد مصطفى، نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد الوطني في حكومة التوافق الفلسطينية.

وإن كان قانون الوكلاء والوسطاء التجاريين رقم 19 لسنة 1967م يمنح الشركة الفلسطينية للخدمات التجارية حق التفرد بتوريد الاسمنت إلى الأراضي الفلسطينية بموجب الوكالة الحصرية مع شركة "نيشر"، فإن قانون صلاحية الاستيراد والتصدير والجمارك رقم 51 لسنة 1939م، يتيح للشركات الأخرى استيراد كل ما يتعلق بالقطاع الإنشائي غير الإسمنت، ما يعني أن "عقود سند" تخالف ما ورد في مواد هذا القانون، وإن كان يجيز لها تغيير اسمها بموجب نص المادة 16 من قانون الشركات رقم (12) لسنة 1964: "يجوز لأي شركة عادية أن تغير اسمها بموافقة المراقب ولا يؤثر تغيير اسمها في حقوقها أو التزاماتها".

السجل التجاري

لم يكن مفاجئا إقدام الشركة على تغيير اسمها، "فالمعلومة كانت مكتوبة على الحائط" مثلما يقول المثل الانكليزي المعروف، لكن توقيت ذلك يبعث على الحيرة، خاصة أنه جاء عقب العدوان (الإسرائيلي) الأخير، ومؤتمر المانحين لإعمار غزة الذي عقد بالقاهرة. ونُشر الإعلان حديثا في عدد من الصحف الفلسطينية، بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول 2014م.

كان يهمنا معرفة إن كان تبديل الاسم يفرض تغيير طبيعة عمل الشركة ومهامها، خصوصا أن نطاق عملها اتسع مع تغيير اسمها إلى "سند" ليشمل كل ما يتعلق بالقطاع الإنشائي، غير ما كان سابقا يقتصر على توريد الاسمنت فقط. هذا واحد من التفسيرات التي رجّحها أحد أصحاب شركات توزيع مواد البناء، قبل أن يقول: "الاسم لا يعنينا كثيرا، ولا مصلحة لنا فيه".

نقلنا قطار البحث عن تفسير لمثل هذا الإجراء (تغيير اسم الشركة)، إلى مكتب مدير عام تسجيل الشركات في وزارة الاقتصاد الوطني، عبد الله أبو رويضة، الذي جاءنا متأبطا ملفا لونه برتقالي، وكانت أوراقه المتهالكة تؤكد لكل ذي عينين أن السنين مرت عليه، ليتضح أنه ملف الشركة الفلسطينية للخدمات التجارية في السجل التجاري بالوزارة منذ عام 1994م.

"

عقود الشركة المورّدة تشترط على التاجر ألا يستورد من طرف آخر، فيما تعطي الحق لها ببيع أي طرف آخر غير التاجر المعتمد

"

وبينما كان أبو رويضة يقلّب أوراق الملف، فجّر لـ "الرسالة" مفاجأة حين كشف أن شركة "سند" ليس لها اسم في السجل التجاري بقطاع غزة، رغم أنها نشرت إعلانا بتغيير اسمها، وكانت صحيفة فلسطين المحلية التي توزع في غزة، واحدة من الصحف التي نشرت الإعلان على صفحاتها.

وأكد أبو رويضة أن اسم سند ليس موجودا أيضا في السجل التجاري لوزارة الاقتصاد بالضفة، الذي يستطيع الولوج له عبر الموقع الإلكتروني للوزارة، معتبرا ذلك "مخالفة قانونية". ونصح إدارة الشركة بضرورة التوجه إلى الوزارة في غزة من أجل تصويب أوضاعها القانونية، وقال: "صحيح أنها شركة حكومية لكن عليها اتباع الأصول القانونية".

وكالة حصرية

وفي الوقت الذي لم يتسن لنا فيه الحصول على تفسيرات من المسؤولين في رام الله، أرجع المهندس نبيل أبو معيلق رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين، تفرّد "سند" بتوريد الاسمنت إلى عقد الوكالة الحصرية لها مع شركة نيشر (الإسرائيلية) منذ عام 1994م، إضافة إلى ارتفاع تكلفة استيراد الاسمنت من الخارج، فضلا عن صعوبة إدخاله في ظل الحصار.

وهنا قال أبو معيلق لـ "الرسالة": "المشكلة تكمن في معابر غزة على وجه التحديد، فلا يقدر أحد على استيراد كميات ضخمة من الاسمنت، ولا يعرف بعدها كيفية إدخالها، فتتحجّر الكميات في الموانئ والمعابر، وتتلف".

ورغم الأسباب التي أوردها أبو معيلق، فإن ما من سبب يفسر اشتراط "سند" على شركات توزيع مواد البناء عدم الاستيراد من شركات غيرها، "سوى أنها تريد أن تكسب الحصة السوقية الأكبر من إعمار غزة"، وهذا ما قالته لنا مصادر موثوقة -طلبت عدم الكشف عن هويتها-بعدما كشفت أن وفدا من الشركة كان قد زار غزة مؤخرا والتقى المتضررين من أصحاب مصانع الباطون، واتفق معهم على أن تقوم "سند" بإعادة تأهيل مصانعهم وفق المواصفات التي أعلنت عنها منظمة الأمم المتحدة للمراقبة، "بشرط أن يدخلوا بشراكة مع هذه المصانع بنسبة 30%"، وفق المصادر.

قادتنا أقدامنا ونحن نتحقق من هذه المعلومة، إلى عبد السلام المصري صاحب أحد شركات توزيع البناء في المحافظة الوسطى، الذي كشف لـ "الرسالة" أن "سند" تشترط عليهم بيع طن الاسمنت الواحد بمبلغ (520 شيكلا)، وأن حصة الشركة من المبلغ هي 500 شيكل والبقية ستكون قيمة الربح لدى الموزع، أي 20 شيكلا، "وهذا ليس له علاقة بتكاليف إجراءات الأمن والرقابة التي يكلّف أي موزع يجري اعتماده على اتباعها، كتركيب كاميرات مراقبة وبناء سور حول أماكن التخزين وغيره"، وفق قوله.

"

حصة الشركة المورّدة من طن الاسمنت الواحد 500 شيكل فيما يبلغ ربح التاجر منه 20 شيكلًا فقط

"

ويعلق المصري قائلا: "صحيح أن هامش الربح قليل جدا لكننا نعوّل على توزيع كميات كبيرة من الاسمنت، مستدركا: "في النهاية هذا الموجود حاليا، ما فيه بديل".

هذا الأمر، دفع صاحب مصنع شركة التعاون للباطون الجاهز، العصار، إلى وصف مراكز توزيع مواد البناء بأنها "تعمل نواطير لشركة سند"، وفي هذا السياق، علمت "الرسالة" علمت أن أحد الموزعين ممن تم اعتماده في غزة كان قد دفع مبلغ 25 ألف دينار قيمة إيجار المخازن في السنة الواحدة، ما يعني أن الموزّع يحتاج لوقت طويل وسيجهد نفسه من أجل تحصيل قيمة ما دفعه، من تجميع قيمة الربح من طن الاسمنت الواحد (20 شيكلًا)، وربما لا ينجح.

وفي مقابل ذلك، فإن ما عرفته "الرسالة" من التجار أن قيمة ما تربحه "سند" من طن الاسمنت بعد استيراده من (إسرائيل) وتوزيعه في الأراضي الفلسطينية، يفوق قيمة ما يربحه التجار، "علما بأن أسعار الاسمنت في (إسرائيل) ثابتة، وأرخص مقارنة مع أسعارها في الضفة الغربية"، برواية تاجر.

وقال العصار: "سند اليوم تريد أن تتحكم في كل المجريات، تريد أن تتفرد بتوريد الاسمنت والحديد والحصمة وكل ما يتعلق بمواد البناء (...) اليوم سند هي الكل في الكل".

معايير الاعتماد

حتى إعداد هذا التحقيق، علمت "الرسالة" أن إجراءات اعتماد موزعي مواد البناء لم تنته بعد، وأن العدد ربما يستقر عند اثني عشر موزعا، بعدما اقتصر في بداية الأمر على موزعيْن اثنين هما شركتي (نويجع وشمالي)، لكن اللغط الكبير أجبر "سند" على رفع العدد، على ما أفاد العصار لـ "الرسالة".

أما بشأن المعايير التي يجرى بموجبها اعتماد الموزعين، فشرحها المصري، قائلا إنه جرى اعتماد موزعَين اثنين من كل محافظة، باستثناء محافظة غزة، جرى اعتماد خمس شركات.

وأشار المصري إلى أن "سند" كانت قد نشرت إعلانا في وسائل الإعلام من أجل تأهيل موزعين لها، وكشف أن 45 شركة قدمت أوراقها. وقال إن الاختيار يجري بناء على معايير عدة، هي: التراخيص، ومدى تسويق الشركة وتداولها للإسمنت ما قبل 2007 وما بعدها، بمعنى "حجمها في السوق"، وكذلك الأمور المالية للشركة وتصنيفها لدى سلطة النقد الفلسطينية، والتأمينات اللوجستية والأمور الفنية لها، إلى جانب الخبرة والكفاءة في المجال.

رد سند

حمل معدّ التحقيق كل تلك الشكاوى إلى لؤي قواس المدير التنفيذي لـ "سند"، لكنه رفض الحديث شخصيا مع "الرسالة" بزعم أن هناك دائرة علاقات عامة وإعلام مخوّلة بالحديث لوسائل الإعلام، ثم أنهى المقابلة على طريقته.

ولم يكن من بدٍّ أمامنا سوى الحديث مع رولا سرحان مسؤولة الإعلام في "سند"، التي قطعت الطريق علينا حين قالت: "ليس عندنا جديد نتحدث فيه عبر الإعلام، كل شيء أعلنّا عنه"، لكن حين واجهناها بسؤال: "ما هي دواعي تغيير اسم الشركة إلى سند؟"، أجابت: "لأن الشركة تريد أن تعمل في كل ما يتعلق بالقطاع الإنشائي وليس توريد الإسمنت فقط"، وهذا ما يثبت التفسير الذي خلُص له أحد أصحاب شركات توزيع مواد البناء.

وعندما انتقلنا للحديث عن العقد الموقّع بين "سند" وأصحاب شركات توزيع مواد البناء، بدا أن مسؤولة الإعلام في الشركة على غير دراية بذلك، حيث قالت: "أنا ما عندي التفاصيل التقنية، هذه عن دوائر أخرى في الشركة"، وطلبت مهلة من الوقت لأجل البحث في الموضوع.

"

مصنع باطون: مراكز توزيع مواد البناء تعمل "نواطير" للشركة المورّدة

"

وبعد نصف ساعة، عادت لتخبرنا أن ما وقّعته الشركة مع الموزعين هي اتفاقيات وليس عقودا، وأنها قيد النقاش وليست نهائية، "من أجل أن تأخذ الشركة تحفظات كل موزع على حدة"، كما قالت.

ودافعت سرحان عن "سند" تهمة الاستغلال بقولها: "المفروض أنا كمورد ألا تشتري من غيري، وهذا حقي، وإذا أردت أن تشتري من غيري فاذهب، لكن إن لم يكن هناك بديل فما جدوى الاستيراد من غيري؟".

وأضافت: "سند كشركة قادرة على أن تقوم بكل عملية الإعمار عبر توفير الإسمنت لكل غزة، ولن تستورد الاسمنت من (إسرائيل) فحسب، بل ستستورد اسمنت تركي وأردني أيضا"، مستدركة: "نحن نوفر الاسمنت بأسعار أرخص، الاسمنت غالي لأن التجار يبيعونه في السوق السوداء (...) لسنا وحدنا من نحتكر، ونحن حريصون على عدم رفع سعر طن الاسمنت في غزة".

تقييد الواردات

وبعيدا عن اتفاقيات سند، فإن تقييد الواردات والصادرات وعدم الوصول الكامل لها كان محل رفض اتحاد الصناعات الإنشائية الفلسطيني.

وأبدى نافذ أبو كميل نائب رئيس الاتحاد لـ "الرسالة" رفضه للخطة التي وضعتها الأمم المتحدة UNOPS بناءً على خطة روبرت سيري لإدخال مواد البناء لإعادة إعمار قطاع غزة، والآلية التي سوف يتم التعامل بها مع المصانع الإنشائية من مختلف القطاعات.

وقال إن للخطة تداعيات سلبية على أصحاب المصانع "بحيث لا تكفل حق العمل للجميع على أرضه وفي وطنه وخاصة بعد صبر على الحصار والحروب المتكررة على قطاع غزة وتوقف هذه المصانع لعدة سنوات أكلت الأخضر واليابس من أجل إعادة بناءها وترميمها من جديد".

وذكر أبو كميل أن الاتحاد رفض التعامل مع هذه الآلية "لأنها لا تعطي الحد الأدنى في العدل والمساواة لإعادة تشغيل هذه المصانع".

إن الوضع الذي يمر به قطاع غزة لا يسمح بالمطلق بتقييد الواردات المتعلقة بالقطاع الإنشائي، خاصة أن ذلك من شأنه أن يفتح الباب واسعا أمام الاستغلال، بدلا من وجود سوق مفتوحة يتنافس فيها التجار، على نحو يراعى فيه أحوال الناس الصعبة، عدا عن أن حصر توريد الإسمنت من (إسرائيل) يجعل غزة سوقا أسيرة لها، ويضعها تحت رحمة الشركة المتعاقدة معها.

الحل موجود بين يدي الفلسطينيين، ويتمثل في إنهاء الوكالات التجارية الحصرية بكل ما يتعلق بالقطاع الإنشائي، والخلاص من الاستهلاكية عبر إنشاء مصنع خاص للإسمنت، وإن كان ذلك مستبعدا في قطاع غزة لكنه وارد في الضفة الغربية المحتلة، وذلك يخضع لمدى الإرادة الاقتصادية الفلسطينية.