أهالي المناطق الشرقية لغزة.. يتنفسون تحت الماء!

المشهد في المناطق الشرقية لغزة
المشهد في المناطق الشرقية لغزة

غزة-حمزة أبو الطرابيش

دون انقطاع.. ستشكر الرحمن على نعمة المسكن الآمن حين ترقد بجانب أبو سعيد شحادة وأطفاله الأربعة، في غرفة معتمة وسط منزل لجأوا إليه هربا من المنخفض الجوي الذي صاحبته أمطار غزيرة، بداية هذا الأسبوع.

المنزل شوهته قنابل الاحتلال في عدوانه الأخير، تحيط به برك مياه المطر، حيطان متشققة تنفث بردا، قطع قماش احتلت مكان النوافذ التي اقتلعتها قوة الانفجارات. كانت هذه أجواء اليوم الأول الذي عاشته عائلة شحادة في المنخفض.

تقطن العائلة وسط حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، الذي شهد "مجزرة الفجر". يعيلها رجل أربعيني متعطل عن العمل منذ أعوام، في منزل نُزعت منه الحياة.

كل ذلك ربما تخف حدته، وينحت لوحة من الصمود كتلك المعروفة عن أهل غزة، حين أخذ أبو سعيد بتوأمه إياد وجهاد في حضنه، وقال: "احنا تنفسنا تحت الصواريخ، أكيد راح نتنفس تحت المي".

يتحسبن ثم يرفع يديه إلى السماء داعيًا ربه أن يخفف عن عائلته وباقي أصحاب البيوت المدمرة.

اصطكت أسنان طفله محمود نتيجة البرد. حين رأته والدته نادت على زوجها ليجمع قطع خشب، ويوقد النار، ليخلع أطفالها رداء البرد.

قبل أن نفارق عائلة شحادة أصر الفتى سعيد (13 عامًا) أن نحتسي الشاي الذي أعده على تلك النار التي أوقدها والده.

أكثر من عشرة آلاف منزل دُمر خلال العدوان الأخير، أغلبها شرقًا، ما يعني أن الآلاف ممن فقدوا بيوتهم سيقرصهم برد الشتاء.

تكاد قصة عائلة شحادة أصغر حكاية من بين آلاف العوائل المدمرة منازلهم في المناطق الشرقية بغزة، في ظل هذا المنخفض الذي توقعت الأرصاد الجوية، أن يستمر ليال أخرى، قد تكون قاسية وباردة على أجساد هؤلاء.

تركنا تلك العائلة متوجهين إلى شرق الحي. أثناء سيرنا وسط المنازل المدمرة التي تحوّلت إلى كومة خردة مبللة، نادت علينا حاجة ستينية تجلس مع أولادها الشبان في خيمة بيضاء يتوسطها عمود فولاذي صدئ: "يما أنتو تبعين مساعدات ولا شو؟!".

حين علمت أننا صحفيون جئنا لننقل معاناتها وآلم الألاف غيرها، قالت كلمات قليلة لربما كان صداها كبير: "راح نبقى صامدين، احنا ربنا معنا". قالت هذا ثم سكتت.

في الشتاء الماضي جاءت "اليسكا" وخلطت مياه السماء مع مياه الصرف الصحي، واقتحمت منازل المواطنين، خاصة في المخيمات، وخلّفت دمارًا كبيرًا، اما اليوم فلا نعلم ما يخبئه القدر وما استطاعة أهالي غزة شرقًا لمواجهة أي منخفض وسط هذا الدمار.

انتقلنا من شرق المدينة إلى أقصى شمال القطاع نحو مدينة بيت حانون المدمرة. يكفي القول أن نسبة الدمار وما يعانيه الأهالي هناك في هذه الأجواء، وجهين لعملة واحدة.

دُهشنا حين سرق أنظارنا الخمسيني أبو محمد صبيح مع أولاده الثلاثة. كان كل واحد فيهم يمسك دلوًا، محاولين إخراج مياه الأمطار التي اجتاحت منزلهم، فيما كانت مجموعة من الأطفال وأجسادهم متلاصقة مع بعضهم يقفون في إحدى زاوية البيت، هربًا من الماء والبرد.

"لازم نصبر حتى ننتصر، هذا وعد الله" يقول أبو محمد، فيما كان جبينه يتصبب عرقًا وسط هذا الجو البارد.