مقال: ماذا لو لم تكن غزة محاصرة؟!

بقلم: إبراهيم المدهون

واجهت غزة وحدها أقوى سلاح جو في الشرق الأوسط، وقاتلت جيشا قيل أنه لا يقهر فقهرته وأخافته وقتلت جنوده بالعشرات وأصابت منهم المئات وأسرت عددا غير معروف، وضربت تل أبيب بعشرات الصواريخ ولم يجرؤ من قبل أحد على ضربها بهذا الكم أو أقل، واقتحمت مواقع ظنها أصحابها أنها مانعتهم حصونهم، وتحدت قوى دولية وإقليمية يخافها القريب والبعيد ولا يذكرونها إلا همسا. فرفعت في وجوههم كلمة (لا) عالية.
فما فعلته غزة في "العصف المأكول" لم تقوَ عليه الجيوش العربية على مر تاريخها، حيث صبرت وصمدت لأكثر من خمسين يوما متتالية، وقاومت فقصفت البلدات والمغتصبات بآلاف الصواريخ، وتحدت المنظومة الأمنية جهارا نهارا وأعلن عن موعد ضرب المدن المركزية قبل ساعة واحدة، مما كسرت هيبة هذه المدن وفتحت الطريق أمام العالم أجمع وأظهرت له مدى هشاشة هذا الكيان الذي نحذره فلا يقوى على منع انطلاق الصواريخ في الوقت المحدد، فظهر ككيان عاجز على حماية نفسه فضلا أن يبطش بغيره.
أثبتت "العصف المأكول" للعالم العربي أن إسرائيل هذه أوهن وأضعف وأحقر من جناح بعوضة، فهي لا تقوى على شعب أعزل محاصر معزول تخلى عنه القريب والبعيد وحاربته القوى المختلفة وحاصرته وضيقت عليه، فغزة للأسف محاصرة منذ أكثر من سبعة أعوام من العرب وأمريكا والأوربيين كما لم تحاصر منطقة في العصر الحديث، فيمنع عنها الكهرباء والبترول والأسمنت وحركة الأموال، ولا يتقاض موظفوها رواتب، ويحرم مرضاها من العلاج وطلابها من التعلم وتجارها من التصدير والاستيراد.
ومع هذا تُعِد وتُجهِز وتصبر وتُصنّع فتخرّج لنا آلاف المقاتلين المدربين المستعدين للمواجهة، فصنعت الصواريخ المختلفة وجهّزت الأنفاق وحاربت الجاسوسية الإسرائيلية، واقتحمت وضربت برا وبحرا وجوا في ملحمة اسطورية ستسجل في التاريخ كبدر والأحزاب واليرموك وحطين وعين جالوت.
غزة فعلت كل ذلك بواقعها الصعب والأليم فحفرت الصخر بأظافر أبنائها من النخبة، فماذا لو لم تكن محاصرة؟! وتمتعت بمعبر بري وميناء وحرية حركة للأموال والبضائع والأفراد؟ ماذا لو أخذت حريتها وتم دعمها بالمال والسلاح والعتاد من أشقائها العرب، وتكاتفت الدول لتقويتها وإسنادها؟ لو حدث ذلك فهل تتوقعون أن تستمر إسرائيل في الوجود أكثر من خمسة أعوام؟! لهذا على العالم العربي والمتعاطفين مع غزة جعل هدفهم الأولي رفع الحصار عن غزة، آن الأوان لتتوحد الجهود ولنفعل كل ما يمكن فعله لنكسر الحصار عن هذه المدينة الصغيرة بجغرافيتها الكبيرة بأهلها، العظيمة بتضحياتهم وبطولاتهم، لأن استمرار الحصار سيكون لعنة على المنطقة وسبة في جبينها وبداية النهاية للأمة العربية، فلا عودة للحصار.