علّت أنفاس أحمد حينما نادى على رفيقه حمزة ليجلس جواره على متن المركب المهترئ في الدقائق الأولى من إبحاره في لجج بحر الإسكندرية أملًا في الوصول إلى بر الحياة في إيطاليا.
مذ أخرج رأسه من عين النفق في الجانب المصري من الحدود بدأت تفاصيل رحلة الذل، عاش خلالها أحمد ورفاقه مغامرة نصيب الموت فيها يرجح على مثيله من الحياة، فلا ماءٌ ولا طعامٌ ولا راحة والذل زيادة.
أحمد سعيد (24 عامًا) أحد المهاجرين غير الشرعيين الذين سلمتهم السلطات المصرية للجانب الفلسطيني في غزة، وفور وصله ورفاقه التقى "الرسالة نت" وحكى لها قصة قد تقترب من الخيال أو تتجاوزه دون مبالغة.
"حد الله بيني وبين الهجرة لا بطريقة رسمية ولا غير رسمية (..) لقمة عيش في غزة تسوى كل دولارات أوروبا".
هذه الكلمات ملخص فصول معاناة أحمد خلال تجربته مع الهجرة إلى إيطاليا عبر البحر.
وفي تفاصيل رحلة الموت يقول أحمد: "دفعت 1500$ عشان أقدر أدخل مصر عن طريق أحد الأنفاق اللي قعدنا فيه 8 ساعات حتى خرجنا". ويضيف: "تعرضنا لإطلاق نار كثيف من أحد الأبراج العسكرية المصرية على الحدود وبالعافية وصلنا السيارة اللي نقلتنا إلى شقة نمنا فيها ليلة في العريش".
المهاجرون من غزة مروا خلال رحلة سفرهم على عدد كبير من كمائن الجيش المصري، الأمر الذي يزيد من إمكانية انكشاف أمر دخولهم بطريقة غير شرعية، مما يعرضهم للعقاب القانوني في الجمهورية المصرية.
وأثناء حديث أحمد اقترب حمزة الذي استعان بجوال أحد افراد الشرطة الفلسطينية ليخبر والدته وزوجته بوصول غزة، وقال: "مليش وجه أقابل أهلي اللي طلعت من البيت بدون ما أودع حد منهم".
حمزة ناصر (25 عامًا) من سكان مدينة غزة باع ذهب زوجته واستدان بقية المبلغ المطلوب (4000$) من أحد أصحابه، شرط أن يرده فور وصوله إيطاليا.
يقول حمزة في لـ "الرسالة نت": "أكبر غلطة ارتكبتها في حياتي إني طلعت من غزة، شفت الموت في كل خطوة مشيتها في سبيل الهجرة على أوروبا وضيعت أموالي وتركت أهلي".
ويكمل أحمد حديثه بعد وصولهم لمدينة الاسكندرية الساحلية: "أول ليلة جلسنا مع عشرات المهاجرين من جنسيات متعددة في إحدى الشقق، وصباحًا تم نقلنا إلى منطقة كثبان رملية جوار البحر".
ويتابع: "كنا 120 شخص. لحظة وصولنا الشاطئ تعرضنا لإطلاق نار كثيف من الجيش المصري وهربنا بأعجوبة وجلسنا في منطقة اسمها عزبة رشيد".
وفي عزبة رشيد حكاية ذل أخرى عاشاها أحمد وحمزة "نمنا 3 أيام على البلاط ووجبة واحدة طول اليوم والمياه وسخة ولا نوم ولا راحة وكنا نقضي حاجتنا بين الأشجار".
وفي صباح اليوم الرابع تم نقلهم في شاحنة إلى بحر الإسكندرية، ليتنقلوا من مركب صغير لآخر، حتى وصلوا مركبا كبيرا سيوصلهم للباخرة التي سترسو في المياه الدولية، ومن ثم لإيطاليا.
"طول الرحلة كان معنا أطفال ونساء حوامل وما كان حد من المهربين راضي يوضح النا احنا وين ولا شو الوضع". هكذا قال حمزة.
المهاجرون الذين التقت بهم "الرسالة نت" تحدثوا أيضًا عن عملية تسليم للجيش المصري تعرضوا لها من طرف المهربين بعد أن أوقفوا المركب لساعات طويلة دون سبب، ومن ثم داروا لساعات أخرى في نفس المكان حتى وصلت البحرية المصرية وأطلقت النار في محيطهم وألقت القبض عليهم جميعًا.
علامات التعب والإرهاق بدّت واضحة على وجوه الستين جميعًا، بعد اثني عشر يومًا من المعاناة في السجون المصرية، وبين وجوه الحاضرين لفت انتباهنا وجود طفلين من ضمن المهاجرين.
أحد الطفلين واحد يدعى معتصم البشيتي (12 عامًا) تحدث بكل براءة لـ "الرسالة نت": "قالوا لأبوي في فلوس وشغل في أوروبا عشان هيك بدنا نهاجر".
معتصم ذهب للعلاج في مصر عبر معبر رفح برفقة والده، وخلال فترة مكوثهم في مصر عرض أحد الأشخاص عليهم السفر لأوروبا للعلاج هناك بحجة أن العلاج هنا مكلف جدًا، ومنها فرصة لعمل الوالد العاطل عن العمل في غزة منذ سنوات.
السلطات المصرية بعد أن عرضتهم على النيابة قررت ترحيلهم عبر معبر رفح البري لقطاع غزة ، في ظل تجاهل السفارة الفلسطينية لظروف حجزهم ومعاناتهم ، إلى ان وصلوا للمعبر ويقدر عددهم 60 مهاجر غير شرعي .
هذه الدفعة أمست اوفر حظًا ممن غرقوا في غياهب المجهول في ظلمات البحر، بأن عادوا لغزة بعد أن عاشوا فصول رحلة الموت والذل على مدار أسابيع مضت، وحال لسانهم جميعًا يقول " انكتب إلنا عمر جديد ! "