الحلقة(19):إسرائيل ومحددات العودة إلى القاهرة

الوفد الفلسطيني في القاهرة (الأرشيف)
الوفد الفلسطيني في القاهرة (الأرشيف)

الرسالة نت-خاص

يدور حديث في الإعلام الإسرائيلي حول ثلاث نقاط، نبدأ بما تحدث به نتنياهو أن الوفد "الاسرائيلي" يفضل عدم الذهاب إلى القاهرة، ويكتفي بما أنجز في المعركة، بمعنى أن تبقى حركة المعابر مفتوحة بالقسم الخاص بالبضائع، ثم تبقى حلقة من الإغلاق على مواد البناء.

القناة العبرية الثانية تحدثت أن هناك رأيين يقومان على فكرة أن التوجه إلى القاهرة في هذه المرحلة معناه أن إسرائيل ستدفع ثمنًا، وهي غير مستعدة لدفع أي أثمان للشعب الفلسطيني، وهناك حديث أن الجانب الإسرائيلي سيماطل في الوصول للقاهرة. هذه الاخبار يساق اليها خبرا آخر يتحدث عن الحضور المصري، والتفكير في الأيام المقبلة.

ورد تصريح من مصدر مصري لوسائل إعلام عبرية، تحدث فيه أن الخلافات الفلسطينية الداخلية قد تفجر الأوضاع بالقاهرة، وستلغي وصول الوفد الفلسطيني. ويجري الحديث بوتيرة من التصعيد من قبل السلطة في رام الله اتجاه غزة وحماس، وتصريحات عدة نشهدها بهذا الخصوص.

في اجتماعات مغلقة تحدث رئيس الوفد الفلسطيني عزام الأحمد وشخصيات فلسطينية عن الإعمار وطريقته، والامكانيات التي تساند الاتفاق مع حماس، والتي عنونها الرئيس عباس بتسليم مفاتيح غزة للسلطة، أو بالعبارة الأدق "تسليم مفاتيح غزة لفتح في هذه المرحلة".

على النقيض، لا تريد حماس الدخول في مناكفات مع حركة فتح، وتعطي تصريحات حذرة، على أمل أن يخفف عباس من لهجته، لكن التقديرات عكس ذلك تماما، فأبو مازن يمضي في طريق إعادة الاعتبار للسلطة، ومحاولة بسط السيطرة على قطاع غزة.

وتسعى السلطة إلى إعادة هيمنتها ووجودها من خلال ملفين هما: إعادة الإعمار، والحديث عن رفع الحصار. ومن حيث الإعمار، فالسلطة تحاول من خلال مصر وأطراف أوروبية منع وصول البيوت المتنقلة إلى المتضررين، ومنع وصول أي مساعدات استراتيجية يمكن أن تعزز صمودهم.

ثم إن استمرار التضييق وإبقاء معبر رفح موصدا بوجه الغزّيين له عدة أهداف، أهمها محاولة الضغط على المجتمع الفلسطيني؛ من أجل المراوغة وتأجيل كل ما يتعلق بملف إعادة الإعمار، ودفعه حتى دخول فصل الشتاء. ويأتي هذا بالتعاون ما بين السلطة ومصر.

من أهداف هذا التضييق أيضًا، محاولة تعبئة المجتمع الفلسطيني ضد المقاومة وتأزيم العلاقة بينهما، وترسيخ قناعة لديه بأن المقاومة فشلت في إدارة المعركة والجبهة الداخلية، وهي أفعال يراد من خلالها تسليم الجبهة الداخلية للسلطة.

مصر تمارس إغلاقا محوريًا لمعبر رفح، ثم تصرح بأن دائرة الخلافات الفلسطينية قد تكون سببًا رئيسيًا بتفجير الموقف التفاوضي بالقاهرة، وكأنها ترسل رسالة تستبق الموعد المحدد الذي تبقى له أيام، ويأتي في سياق محدد من أجل الضغط على البنود المتبقية، كما أن "إسرائيل" تراوغ وتعيد حالة الحصار للقطاع بشكل تدريجي، إضافة إلى خروقاتها المتكررة دون أي اهتمام أو حديث مصري.

يمكن أن نخلص من ذلك أن السلطة تتقارب مع "إسرائيل" بمنهجية محاصرة المقاومة، والضغط على قطاع غزة، وبإمكان "إسرائيل" أن تطمئن بأن السلطة تؤدي دورها بشكل جيد، ومصر أيضًا تؤدي دورها جيدًا في الحرب على غزة، فيما يسمى بحلقات الحصار المتكاملة.

ترقب "اسرائيل" الجبهة الداخلية بغزة من خلال بُعدين، أولهما "هل أدوات التصعيد يمكن لها أن تنعكس على الحكومة بغزة"، والثاني "هل الشعب كارهاً لحماس في غزة"، إلا أن كل استطلاعات الرأي تؤكد التصاق الشعب الفلسطيني بمقاومته ودفاعه عنها رغم ما حلّ به.

تلك الاستطلاعات أدت بـ "إسرائيل" للتفكير بمشكلة تخفيف الحصار عن غزة، وأن إعادة الحياة لطبيعتها قد تمنع أي حروب قد تنشب في حال فشلت المفاوضات.

المعركة من خلال النار والصواريخ توقفت بمشهدها الكلي، لكنها على الوجود والصمود وهزيمة المحتل وأدوات البقاء الحي، لم تتوقف.

"إسرائيل" أصبحت تصور غزة على أنها مدمرة ومواطنوها يسعون للهجرة بسبب حالة الضيق، صحيح أن حالات عدةّ شهدناها وانتشرت ظاهرة الهجرة البحرية، إلا أن أهل غزة ما زالوا في حالة استبسال حقيقي رغم الوجع.

يجب أن تعيد الفصائل الفلسطينية المقاومة وعلى رأسها حماس نوع آخر من العمل لتصويب مسار ما حدث في الأسابيع الماضية من التهدئة، أوله إعادة تصويب العلاقة مع السلطة وتحديدًا حركة فتح، وإعادة هيكلة تحالف تحت سقف المقاومة.

لا بد من إدارة المرحلة بعيدًا عن الحزبية، بمعنى أنه يجب أن يكون هناك صوت كبير من الجهاد والجبهة الشعبية والفصائل الأخرى كافة، بحيث تتم إعادة الاعتبار لحالة اصطفاف كاملة للمقاومة في غزة.

فيما يتعلق بالعلاقة مع الوسيط المصري، مصر عليها أن تفهم دورها جيدًا وأن تطبق أدوات الاتفاق، فهي البعد الرئيسي في دائرة التفاوض، وللأسف فإن الوسيط المصري عليل، ويحتاج إلى تصويب بالفكر، لأنه يتماشى مع حركة الحصار.

المقاومة الفلسطينية عليها أن تعيد العلاقة مع الجانب المصري من خلال ثلاثة أركان، أولاً أن تراجعه في عدم قدرته على تطبيق بنود الاتفاق، وثانيًا قدرته على ضبط الايقاع المستقبلي غير المحايد بين الأطراف بحد أدنى في هذه المعركة، والبعد الثالث إعادة الاعتبار لكون الوسيط المصري "إنسان".

المعبر الفلسطيني المصري الوحيد "معبر رفح"، ما زال يعطل حالة الإغاثة لغزة، ويعطل السفر، ويجعل الفلسطينيين يلجؤون للهرب عبر الأنفاق الخطرة وغيرها، وهذا واقع لابد من تغييره ومخاطبة مصر بجدية، فالدبلوماسية الباردة في استقبال التصرفات الجائرة من مصر تعني تماديها بالتضييق، فالمساعدات موجودة، والأموال تُصرف، والمتبرعين كثر. والبيوت موجودة، لكن أن تظل الرواية المصرية متآمرة ومانعة لإدخالها، فهذا جانب يحتاج لموقف.

المقاومة لديها خيارين، إما قبول الوسيط على علّاته كما هو عليه، أو إعادة إشراك حالة الوساطة من خلال تصعيد محدود عبر أدوات عدة تدركها المقاومة، سواء باتجاه مصر أو "إسرائيل"، فلكل تصعيد تصويب.

البيئة العالمية المحيطة بغزة، باتت تدرك أن استمرار المعركة على غزة يخدم أطرافًا على الأرض، ويخدم حالة المجتمع العربي الذي قد ينفجر على شكل ثورات، خاصة في الدول العربية التي ما زالت مستقرة كدول الخليج.

أيضًا من أبعاد استمرار المعركة على غزة، توفير بيئة مجتمعية حاضنة للحركات المقاومة في سوريا، وأيضا للحركة التي توصف بـ "داعش"، والتي تمتد من أرض العراق للشام، وهذه محاولات يعاد تنسيق ترتيبها بالمنطقة.

"اسرائيل" ستصل للقاهرة بعدما ترى أن هنالك حالة ضعف، وأن حالة الضغط آتت أُكلها على المقاومة، لأجل إعادة الاعتبار لضرورة وجود السلطة، ووجود ما يُرضي الغرور المصري بهذه المرحلة، لكن كيف ستدير ذلك؟

إذا وصلت "إسرائيل" للقاهرة فكيف ستدير حالة الحوار على البنود التي طرحت فلسطينًا، المتوقع أنها ستعمد إلى ثلاث وجهات، الأولى لها علاقة بالشق المدني، بما يتعلق بدائرة الأغذية، والثانية بمحور إعادة الإعمار، حيث سيشكل ملف الاعمار مشكلة في دائرة التفاوض، أما الوجهة الأخيرة فلها علاقة برفع الحصار عن قطاع غزة، والصعوبة الأكبر ستكون في هذا الملف.

"اسرائيل" تعمل وبذكاء على نقل الملف من يدها لليد الفلسطينية، وتحاول أن تلعب مع الجانب الفلسطيني بهذا الملف، والسلطة في رام الله حتى اللحظة وللأسف لم تعِ حالة قبول للمقاومة والتعاطي معها كجزء من الشعب، وأن عليها أن تدير عملية احترام للشعب الفلسطيني.

ما الاوراق التي تملكها المقاومة للرد على السلطة و"اسرائيل"؟

هناك ثلاث قضايا مهمة يحاول البناء عليها في مواجهة المخططات "الاسرائيلية".

الحرب على غزة أثبتت حالة فشل للجانب "الإسرائيلي"، فهو ينظر للتعاطي مع الجبهة الداخلية "الاسرائيلية" بشيء من الاستقرار، فاليوم بدأوا يتحدثون عن "سحب سلاح المقاومة"، وليس تحشيد المجتمع "الاسرائيلي" بجولة قادمة من المعركة، بمعنى أن دائرة التصعيد عندما تظل حاضرة في ذهن المقابل، يبقى يحسب حسابا جيدا، ويعد للعشرة قبل اتخاذ أي قرار، وبناءً على ذلك أصبحت حالة ردعية قائمة تدركها "إسرائيل" وتعيد قراءتها في كل مرحلة من المراحل.

البعد الثاني له علاقة بالخطاب، بمعنى أنه لا يمكن الحديث عن ضبط الحالة الغزية، فهي متمردة ولها احتياجاتها وامكانياتها وقدراتها، والحكومة بغزة في حال عدم امتلاك أدوات الحكومة، إلا أنها تقوم بدورها جديًا وتتمسك بموظفيها، والمجتمع الفلسطيني يستطيع أن يتحرك ويوصل رسائل لمن يعملوا على عزل غزة والإبقاء على الحصار.

البعد الآخر وله علاقة بالأوراق الممكنة التي يمكن للمقاومة أن تؤثر بها، وهي إعادة التحالفات، بداية بالأحزاب الداخلية من ثم إعادة الاعتبار للتحالفات خارجية، والبحث عن حالات دعم سياسية وإغاثية، فهذه الحالات أصبحت متطلبا وطنيا لإنجاح ما تم انجازه بالمعركة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير