ربما تكون الأنظار في هذا الوقت بالتحديد مسلّطة على سوء الأوضاع المعيشية في قطاع غزة، مع الوافد الجديد إلى قائمة المشكلات التي تلازم الحال الفلسطينية منذ عقود، ألا وهي الهجرة.
امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بتبادل التعازي بفقدان شباب وعوائل فلسطينية لجأوا إلى الهجرة غربا؛ مدفوعين برغبة جامحة للبحث عن فرص أفضل للحياة، لكن الموت اختصر عليهم الطريق، حيث تتناقل وسائل إعلام أنباء عن غرقى غزّيين بالعشرات.
العدوان الإسرائيلي الأخير كان بمنزلة "الضربة القاضية" التي أجهزت على فرص الحياة في غزة، ورفعت معدلات المعاناة فيها إلى أعلى مستوياتها، وأدخلت آلاف المتعطلين عن العمل إلى جيوش البطالة، التي لم يعرف مؤشرها الاستقرار، علما أن القطاع يعتبر من أكثر المناطق في العالم المرتفعة فيها معدلات البطالة، التي يُنظر لها على أنها من أعقد المشكلات الاقتصادية.
وكان وزير العمل في حكومة الوفاق، مأمون أبو شهلا، قد قال خلال أعمال الدورة الـ 41 لمؤتمر العمل العربي المنعقد في القاهرة، الأحد الماضي، إن عدد المتعطلين عن العمل في غزة تجاوز أكثر من 160 ألفا؛ بسبب توقف عجلة الحياة الاقتصادية بالقطاع.
وأكد أن العدوان الإسرائيلي ضرب كل مناحي الحياة الصحية والتعليمية والصناعية والزراعية ومنشآت "الأونروا" ومحطات المياه والصرف الصحي والكهرباء، والمؤسسات المصرفية والجمعيات الخيرية، ومواقع التراث، وحتى دور العبادة والأماكن المقدسة.
ورغم إعلان أبو شهلا سعي وزارته إلى تنفيذ استراتيجية وطنية من أجل إنعاش سوق العمل الفلسطيني، إلا أن أصابع الاتهام بتردي أوضاع غزة وضعف القدرات التشغيلية فيها، إلى جانب تراجع النمو الاقتصادي، وجّهت إلى حكومة الوفاق، بدليل تأخرها في إعادة إعمار غزة رغم "تلقيها أموالا إغاثية طارئة تمكنها من البدء بذلك، قبل انطلاق مؤتمر المانحين في القاهرة، الشهر المقبل"، وفق ما صرح به نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، موسى أبو مرزوق.
ولمّح أبو مرزوق إلى أن غزة تتعرض لـ "ظلم كبير" في المصروفات الحكومية، وطالب حكومة الوفاق بأن تدير كلا من الضفة الغربية والقطاع على مبدأ المساواة، خاصة من النواحي الاقتصادية، قائلا: "مماطلة الحكومة في إعادة الإعمار لا مبرر لها، وعليها أن تبدأ بذلك؛ لأنه على رأس مهامها التي توافقنا عليها في محادثات القاهرة".
ويحتاج قطاع غزة إلى مبلغ 7,5 مليارات دولار أميركي لإعادة الإعمار، حسب تصريحات سابقة للرئيس محمود عباس، وهو رقم قريب من دراسة أعدها المجلس الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار)، الذي قدر خلالها تكلفة إعادة الإعمار بنحو 7,8 مليارات دولار.
ويؤكد رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين بغزة، سامي العمصي، أن القطاع يمر بمرحلة خطيرة جدا، "هي الأسوأ منذ عشر سنوات"، وقال إن غزة لا تحتمل مزيدا من المعاناة.
وذكر العمصي أن العدوان الإسرائيلي الأخير تسبب في إلحاق خسائر فادحة في قطاع الصناعات، مشيرا إلى تدمير نحو 500 منشأة وتسريح أكثر من 30 ألف عامل؛ الأمر الذي يعني تفاقم العبء على آلاف العائلات الفلسطينية.
ورأى نقيب العمال أن فتح المعابر الحدودية وإدخال مواد البناء، من شأنه إنعاش الأوضاع الاقتصادية وعودة الحياة تدريجيا إلى غزة، مطالبا الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني بضرورة استشعار هموم المتعطلين عن العمل، وإغاثتهم سريعا.
وبدوره، فإن الخبير الاقتصادي ماهر الطباع، أكد أن العدوان الإسرائيلي الأخير عمل على تعميق الأزمة الاقتصادية والمالية، وزيادة معدلات البطالة المرتفعة، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات المتعطلين عن العمل لـ 41%، وزيادة نسبة الفقر لـ38%.
وقال الطباع إن قطاع غزة كان قبل العدوان يعاني من حالة كساد وركود اقتصادي في جميع الانشطة الاقتصادية، وأهمها القطاع التجاري، الذي يشكو اضمحلالًا في المبيعات؛ نتيجة ضعف القدرة الشرائية لدي المواطنين.
أما الخبير الاقتصادي معين رجب، فأكد من جانبه، أن توقف النمو الاقتصادي في غزة يرجع إلى بقاء الأوضاع القائمة دون سياسة واضحة للتغلب عليها، داعيا إلى ضرورة وجود سياسات موجهة اتجاه إيجاد حلول تقوّض البطالة، التي اعتبرها "مشكلة عالمية" تحتاج إلى تعاون أممي أو إقليمي لمواجهتها.
ويؤمن رجب أن علاج البطالة في غزة يكون بتعاون الحكومة مع مؤسسات المجتمع المدني والخبراء، لكن العلاج الأكثر فعالية برأيه هو في انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.