لم تعد مهمة معلمي مدرسة جالود جنوب نابلس مقتصرة على شرح الدروس ومتابعة تحصيل الطلبة؛ إذ باتت مراقبة محيط المدرسة ورصد تحركات المستوطنين جزءًا من يومهم الدراسي، في محاولة لحماية الأطفال من اعتداءات تهدد سلامتهم وتحول طريقهم إلى التعليم إلى رحلة محفوفة بالخوف.
وتصدى معلمو المدرسة، الاثنين الماضي، لمحاولة اقتحام نفذها مستوطنون إسرائيليون لساحاتها، بهدف ترهيب الطلبة والاعتداء عليهم، قبل أن يسارعوا إلى إخلاء المدرسة وتأمين خروج الأطفال، خشية تطور الاعتداء ووقوع إصابات.
وتأتي الحادثة في ظل تصاعد المخاوف الأمنية المحيطة بالمدرسة، التي تقع قبالة مستوطنة إسرائيلية وبالقرب من بؤر استيطانية جديدة، ما يضع الطلبة والهيئة التدريسية أمام تحديات متواصلة للحفاظ على سلامتهم وضمان استمرار العملية التعليمية.
المراقبة من سطح المدرسة
وقال مدير مدرسة جالود، رسمي شاهين، في حديث مع قناة الجزيرة، إن الهجوم الأخير أعاد المخاوف بشأن سلامة الطلبة والمعلمين، في ظل الاعتداءات والمضايقات المتكررة التي تلقي بظلالها على سير العملية التعليمية.
وأوضح أن التحديات التي تواجه المدرسة تجاوزت الجوانب التعليمية، لتشمل توفير الحماية للطلبة وضمان أمنهم داخل الحرم المدرسي، في ظل التهديدات التي يفرضها وجود المستوطنين في محيطها.
ولمواجهة هذه المخاطر، اتخذ المعلمون إجراءات احترازية لمراقبة المنطقة المحيطة بالمدرسة، إذ يتناوبون على الصعود إلى سطحها لرصد أي تحركات للمستوطنين والتنبيه إلى اقترابهم.
وقال المعلم أنس شاهين إن الهيئة التدريسية تخصص معلمين لمراقبة المنطقة من أعلى المدرسة، بهدف رصد أي تحرك مشبوه وإبلاغ بقية المعلمين والطلبة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتهم.
بدوره، يستغل المعلم محمد أبو غازي أوقات فراغه للصعود إلى سطح المدرسة ومتابعة ما يجري في محيطها، مؤكدًا أن الرصد المبكر لتحركات المستوطنين بات ضرورة لتقليل المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال.
أطفال يتعلمون تحت التهديد
ولا تتوقف تداعيات الاعتداءات عند حدود الخطر المباشر، بل تمتد إلى شعور الطلبة بالأمان وقدرتهم على التركيز ومتابعة دروسهم، في ظل القلق الذي يرافقهم داخل المدرسة وخلال طريقهم إليها والعودة إلى منازلهم.
وتقول الطالبة ريماس حمود إن يومها الدراسي يبدأ بالخوف وينتهي به، مشيرة إلى أن وجود المستوطنين بالقرب من المدرسة يجعل الطلبة يشعرون بالقلق وعدم الأمان أثناء التنقل.
أما الطالبة تولاي سامر، فتوضح أن مشاهدة المستوطنين وسماع أخبار الاعتداءات يدفعان الطلبة إلى التفكير المستمر فيما قد يتعرضون له، ويعززان مخاوفهم من اقتحام المدرسة أو الاعتداء عليهم.
ويصف الطالب ليث شاهين مشاعر الخوف التي تنتاب الطلبة عند رؤية المستوطنين بالقرب من المدرسة، في ظل خشيتهم من اقتحامها أو استهدافهم أثناء وجودهم داخلها.
من جهتها، تشير الطالبة فاتن نعيم إلى أن الأصوات الصادرة عن أعمال الحفر والمشاهد المحيطة بالمدرسة، إلى جانب الخشية من الاعتداءات، تزيد صعوبة التركيز داخل الصفوف، وتؤثر في قدرتهم على متابعة الدروس بصورة طبيعية.
التعليم في مواجهة الاستيطان
وتعكس الأوضاع في مدرسة جالود حجم التحديات التي تواجه المؤسسات التعليمية الفلسطينية الواقعة بالقرب من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، حيث تتداخل المخاوف الأمنية مع متطلبات الدراسة اليومية، ويجد المعلمون أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ تدابير استثنائية لحماية طلبتهم.
وتثير محاولات اقتحام المدرسة وترهيب الأطفال مخاوف من تعريضهم لأضرار جسدية ونفسية، فضلًا عن تقويض حقهم في الوصول إلى التعليم في بيئة آمنة.
ووفق معطيات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، قتل جيش الاحتلال 134 طالبًا من مدارس الضفة الغربية منذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما أصاب 871 طالبًا واعتقل 416 آخرين.
وفي ظل هذه الظروف، يواصل معلمو مدرسة جالود أداء مهمتهم التعليمية، فيما باتت مراقبة محيط المدرسة والاستعداد لأي اقتحام محتمل جزءًا من مسؤولياتهم اليومية، في محاولة للحفاظ على سلامة الطلبة واستمرار حقهم في التعليم.