كانت منة الله نبيل أبو لبدة، ذات الأعوام الستة، تلهو في خيمةٍ لا تقي حرًا ولا بردًا، لكنها كانت بالنسبة لعائلتها آخر ما تبقى من معنى الحياة في مخيم غيث بمنطقة مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة.
لم تكن الطفلة الصغيرة تفكر إلا بأشياء تشبه عمرها؛ قبيل عيد الأضحى المبارك بيومين فقط، قطعة حلوى، لعبة مفقودة، فستان جديد، أو صباح يعود فيه البيت الذي هُدم.
كانت تلتصق بوالدتها خوفًا من أصوات الطائرات التي عادت مؤخرًا لتحلق بكثافة في سماء المدينة، وتحاول أن تغفو رغم أصوات القصف البعيد.
لكن الحرب التي لم تترك مدرسة ولا مستشفى ولا خيمة نجاة، وصلت إليها أيضًا.
في لحظة مباغتة، بعد ظهر اليوم، دوّى انفجار عنيف داخل المخيم، اشتعلت النيران في الخيام الهشة، وتناثر النازحون حفاة بين الرمال والدخان، يبحثون عن أطفالهم بأصوات مرتجفة.
وسط الصراخ، كانت منة قد تحولت إلى جسد صغير مغطى بالغبار والدم.
وصلت الطفلة إلى مستشفى الكويت الميداني شهيدة.
هناك، في الممرات المكتظة بالمصابين، حملها المسعفون بصمت ثقيل اعتادته مستشفيات غزة منذ شهور الحرب، لكن الصمت هذه المرة كان أشد قسوة؛ لأن الجسد الذي وصل لم يكن يحمل سوى ملامح طفولة لم تكتمل بعد.
يقول شهود من المخيم إن الاستهداف أصاب خيامًا للنازحين بشكل مباشر، ما أدى إلى ارتقاء شهيدتين وعدد من الجرحى، بينهم نساء وأطفال.
أما منة، فلم تكن سوى واحدة من أطفال غزة الذين تحولت أسماؤهم إلى أرقام عاجلة على الشاشات، بينما تبقى ألعابهم وملابسهم الصغيرة شاهدة على حياة قُطعت قبل أوانها.
في مواصي خانيونس، حيث لجأت آلاف العائلات هربًا من الموت، صار الموت نفسه يلاحقهم إلى الخيام.
لا جدران تحميهم، ولا أبواب تغلق الخوف، ولا مكان آمنًا لطفلة كانت تحلم فقط بأن تكبر.
رحلت منة أبو لبدة قبل أن تتعلم كتابة اسمها كاملًا، لكن اسمها بقي محفورًا في ذاكرة الحرب؛ طفلة أخرى حملتها غزة إلى السماء، بينما بقيت خيمتها فارغة إلا من الرماد.
وفيما كانت عائلة منة تودّع طفلتها الصغيرة داخل أروقة مستشفى الكويت جنوبًا، كانت غزة كلها تُحصي خروقات جديدة تضاف إلى سجل الحرب المفتوح منذ أشهر طويلة.
فبحسب معطيات حكومية وحقوقية فلسطينية، تجاوز عدد خروقات الاحتلال منذ أكتوبر الماضي مئات الانتهاكات التي شملت القصف وإطلاق النار واستهداف النازحين ومراكز الإيواء، ما أدى إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء.
وتشير تقديرات وتقارير محلية إلى أن عدد الشهداء الذين ارتقوا نتيجة هذه الخروقات منذ ذلك الوقت وصل إلى نحو 900 شهيد، في مشهد يؤكد أن الموت في غزة لم يتوقف يومًا، حتى في الفترات التي وُصفت بأنها “هدنة” أو “وقف لإطلاق النار”.
ومع كل مجزرة جديدة، كانت أسماء الأطفال تعود إلى الواجهة؛ وجوه صغيرة تنطفئ تحت القصف، بينما تبقى الخيام شاهدة على أن النزوح في غزة لم يكن يومًا نجاة حقيقية من الموت!