في غرفة صغيرة تتكدّس على جدرانها الخرائط والصور القديمة، يجلس الحاج سعيد أبو السعود كأنه الناجي الأخير من قرن كامل. يرفع نظارته ببطء، يمرر يده فوق ورقة صفراء تعود لعشرات السنين، ثم يبتسم ابتسامة خافتة ويقول: “هذه فلسطين التي يريدون لها أن تُنسى”.
تجاوز الرجل المئة عام، لكن صوته ما زال ثابتاً، وذاكرته أكثر حدة من كثيرين ولدوا بعد النكبة بعقود.
وُلد الحاج سعيد عام 1923 في بلدة دير دبوان شرق رام الله، حين كانت فلسطين ما تزال تحت الانتداب البريطاني، وحين كانت القرى تُعرَف بأسماء عيون الماء وحقول القمح، لا بالحواجز العسكرية ونقاط التفتيش.
كبر الطفل الذي كان يحفظ أسماء التلال والوديان قبل أن يحفظ الأبجدية، وفي سنوات شبابه حمله شغفه بالعلم إلى الولايات المتحدة لدراسة الهندسة. هناك، في قاعات الجامعات البعيدة، كان يرى مستقبله يتشكل بهدوء. لكن عام 1948 لم يترك لأحد فرصة أن يعيش حياته بشكل طبيعي.
وصلته أخبار المجازر وسقوط المدن الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى، فترك مقاعد الدراسة وعاد. لم يكن يستطيع أن يشرح لأحد كيف يواصل دراسة الهندسة فيما البلاد تُقتلع من جذورها. عاد إلى فلسطين وفي داخله شعور واحد: أن البيت حين يحترق، لا يحق لصاحبه أن يبقى متفرجاً.
قاتل في معارك الدفاع عن المدن والقرى الفلسطينية، وشهد بعينيه كيف تحولت الحقول إلى خطوط نزوح طويلة، وكيف صار الناس يحملون مفاتيح بيوتهم بدل أن يحملوا خبزهم. كان يرى فلسطين وهي تتبدل أمامه بسرعة مرعبة، لكنه ظل يعتقد أن ما يُسرق بالقوة لا يصبح حقاً مهما طال الزمن.
ومع مرور السنوات، لم يتحول الحاج سعيد إلى رجل يعيش على الذكريات فقط. دخل العمل الوطني والسياسي، واعتُقل، ثم أُبعد عن وطنه، وتنقل بين المنافي، لكنه بقي يحمل فلسطين أينما ذهب؛ في حقيبة أوراقه، وفي دفتر ملاحظاته، وفي أحاديثه الطويلة التي لا تنتهي عن القرى التي مُسحت من الخرائط.
في منزله، تحتفظ الجدران بأكثر مما تحتفظ به المتاحف أحياناً. صور قديمة لقادة الثورة، وثائق تعود لعقود، خرائط لفلسطين قبل النكبة، ورسائل كتبها رجال رحلوا منذ زمن بعيد. أمضى سنوات يجمع هذه الذاكرة خوفاً عليها من الضياع، حتى ألّف موسوعة عن الثورات والثوار الفلسطينيين، كأنه كان يخشى أن يأتي يوم يُقتل فيه الشهود وتُدفن الحكاية معهم.
ورغم عمره الطويل، لا يتحدث الحاج سعيد كرجل هزمته السنوات. حين يسأله الزوار عن سر هذا التماسك، يجيبهم ببساطة: “الذي يحمل قضية لا يشيخ بسهولة”.
في ملامحه يمكن رؤية قرن كامل من فلسطين؛ الانتداب، والثورة، والنكبة، والمخيمات، والحروب، والمنفى، والعودة المؤجلة. رجل عاش أكثر من مئة عام، لكنه ما زال يتحدث عن فلسطين كأنها جرح حدث بالأمس فقط.
وحين ينتهي من حديثه، يعود بهدوء إلى أوراقه القديمة، يرتب الصور بعناية، ثم يرفع رأسه نحو خريطة كبيرة معلقة على الحائط. يحدق فيها طويلاً، كأن عمره كله لم يكن سوى محاولة واحدة… كي لا تضيع البلاد من الذاكرة.