الطفل أكرم الفيومي… يدٌ وقدَم مفقودتان وحلمٌ ما زال يركض

الرسالة نت-خاص

“كنت أحلم أنني أنا وابن عمي نتسابق أمام باب المدرسة… ثم صحوت.”
بهذه الكلمات يبدأ الطفل أكرم الفيومي من غزة حكايته، بينما يحدّق طويلًا في يده الوحيدة، كأنه ما زال غير مصدّق أن الأخرى اختفت إلى الأبد.
في الحلم، كان يركض سريعًا، يضحك، يسبق ابن عمه أيمن، والأطفال يصفقون له. لم يكن هناك دخان، ولا طائرات، ولا صراخ. فقط ملعب واسع، وأقدام صغيرة تعرف طريقها جيدًا نحو الفرح.
لكن حين فتح عينيه، لم يجد شيئًا من ذلك. نظر إلى جسده، صرخ، ثم انفجر بالبكاء.
كان عمّه يجلس قربه داخل المستشفى، يراقب الطفل الذي يستيقظ على حقيقة أكبر من عمره. سأله أكرم بصوت مرتجف:
“وين إيدي؟”
صمت الرجل للحظات، ثم قال بصعوبة:
“أصابك صاروخ استطلاع يا أكرم… فقدت يدك وقدَمك.”
كل ما أراده أكرم أن يلعب كرة القدم مع رفاقه، أن يركض طويلًا في الشارع، أن يفوز في السباق الذي اتفق عليه مع ابن عمه أيمن. في ذلك اليوم، خرج الأطفال يتحدّون بعضهم بالركض، وكان أكرم متأكدًا أنه سيكون الأسرع.
لكن طائرة الاستطلاع كانت أسرع منهم جميعًا.
في لحظة واحدة، تحوّل جسده الصغير إلى كتلة من الألم.
استيقظ لاحقًا بيد واحدة وقدَم واحدة، وعمر لا يفهم كيف يمكن لطفل أن يعيش ناقصًا بهذا الشكل.
يجلس أكرم اليوم محاولًا أن يتعلّم الأشياء من جديد؛ كيف يمسك القلم، كيف يرتدي ملابسه، كيف يحافظ على توازنه، وتعلّم بالفعل، بل وفاجأ الجميع بقدرته وإصراره على إكمال الطريق.
كان يعتقد في البداية أن حياته انتهت، وأن الطفل الذي كان يركض في الحارات مات تحت الصاروخ.
لكن شيئًا داخله رفض الاستسلام. استطاع أن يركّب قدمًا صناعية صُنعت محليًا بإمكانات بسيطة، ثم تعلّم أن يستخدم حذاء العجلات. صار يتدرّب كل يوم، يسقط كثيرًا، يتألّم كثيرًا، ثم يعود ليقف من جديد.
لم يعد يركض كما كان، لكنه يحاول أن يقنع نفسه أن الجسد المكسور يمكنه أن يتعلّم الحياة مرة أخرى.
يقول أكرم وهو يحاول إخفاء دموعه:
“نفسي أركب طرف صناعي ليدي وقدمي… وأرجع ألعب كرة مثل زمان.”
وحين يتحدث عن الكرة، تتغيّر ملامحه تمامًا.
يصبح طفلًا عاديًا للحظات، طفلًا يريد فقط أن يركض خلف كرة، لا أن يركض هاربًا من الصواريخ.
ووفق تقديرات الأمم المتحدة، تضم غزة اليوم أكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، وخلال حرب الإبادة على غزة فقد نحو 10 أطفال يوميًا ساقًا أو أكثر بسبب القصف المتواصل، والإصابات المباشرة، والتأخر في تحويلهم للعلاج. كما تشير تقارير أممية إلى استشهاد أو إصابة أكثر من 64 ألف طفل خلال الحرب، في وقت ينهار فيه النظام الصحي وتغيب الأطراف الصناعية وخدمات التأهيل عن عشرات آلاف الجرحى.
في شوارع غزة، لم يعد من الغريب رؤية طفل يتحرك بعكاز، أو يجرّ قدمًا صناعية صنعت بإمكانات بدائية، أو يبكي كلما نظر إلى مكان طرفه المفقود.