بقلم / عماد زكريا الافرنجي
صحفي وكاتب من غزة
لم تعد الحروب تخاض فقط بالطائرات والدبابات والصواريخ، هناك معركة ناعمة هادئة تتسلل إلى كل خصوصياتنا وأوقاتنا، تخاض بالصور، والفيديوهات، والكلمات وحتى المشاعر!!، فقد غزا عالم الاعلام مصطلحجديد "السلوباغاندا"(Slopaganda) ، هدفه الأساسي التأثير على وعينا بل قل صناعة وعي جديد أساسه فقدان الثقة، وتآكل الحقيقة.
ظهرت "السلوباغاندا" لأول مرة من قبل فريق بحثي أكاديمي في ورقة بحثية نشرت عام 2025، وهي دمج بين مفهومين حديثين الأول (Slop ) ويعني نفايات الذكاء الاصطناعي، وهو المحتوى الرقمي الرديء أو منخفض الجودة الذي يتم إنتاجه بكميات هائلة بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي، والثاني (Propaganda ) البروباغاندا وهي الدعاية السياسية الموجهة للتلاعب بالعقول، فهي محتوى غرضه التضليل السياسي وغسل الأدمغة وتوجيه الرأي العام.
ركز الباحثون (ميخال كلينسيفيتش، مارك ألفانو، وأمير إبراهيمي فرد) على فكرة أن "السلوباغاندا" لا تهدف دائماً إلى إقناعك بـ "كذبة" محددة، بل تهدف إلى تدمير قيمة الحقيقة ذاتها، من خلال سياسة الإرهاق المعرفي، فعندما يغرق المتلقي (أنا وأنت) بآلاف المنشورات المولدة آلياً، يتوقف عقله عن محاولة تحليل المنطقي من غير المنطقي، فيلجأ إلى تصديق ما يتوافق مع "هواه" فقط.
أبرز سمات العدو الجديد للعقل البشري) السلوباغاندا) هي، أولا: الإنتاج الضخم والفوري حيث تعتمد السلوباغاندا على قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد آلاف المقالات، الصور، ومقاطع الفيديو المزيفة في ثوانٍ معدودة، مما يسمح بإغراق الفضاء الرقمي بمحتوى مضلل يصعب تتبعه، ثانيا: التخصيص الفائق، وخلافاً للبروباغاندا التقليدية التي توجه نفس الرسالة للجميع، يمكن للسلوباغاندا صياغة رسائل مخصصة لكل فرد بناءً على بياناته واهتماماته الشخصية عبر الخوارزميات، ثالثا الإغراق المعلوماتي وتهدف إلى "تلويث" بيئة المعلومات بحيث يصبح من المستحيل على القارئ العادي تمييز الحقيقة من الزيف، ما يؤدي في النهاية إلى حالة من اللامبالاة أو فقدان الثقة في كل المصادر، رابعا الانتشار عبر "الذباب الإلكتروني"بحيث يتم توزيع هذا المحتوى آلياً عبر حسابات وهمية (Bots) تضمن وصول الرسالة وتصدرها للتريند بشكل مصطنع.
هذه السمات تؤدي إلى تأثير خطير في الوعي الجمعي للفرد والمجتمع، من خلال إنشاء "إجماع زائف حيث تستخدم الحكومات أو القوى السياسية السلوباغاندا لتبدو وكأن لديها قاعدة شعبية ضخمة عبر آلاف الحسابات التي تنشر نفس المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، مما يوهم المترددين بأن "هذا هو رأي الأغلبية".، وكذلك شيطنة الخصوم بصور "شبه حقيقية" لسهولة توليد صور ومقاطع فيديو منخفضة التكلفة ولكنها "مقنعة بما يكفي" تجعل من السهل تشويه سمعة المرشحين السياسيين ونشرها كـ "سلوب" ينتشر بسرعة البرق قبل أن يتمكن أحد من نفيه، وبالتالي تآكل الثقة في الأشخاص والمؤسسات.
الحرب التي شنتها الإدارة الأمريكية وإسرائيل على ايران واكبها حملة ضخمة من "السلوباغاندا"، فقد استخدمتها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب وأغرقت وسائل التواصل بصور وميمز (Memes) مولدة آلياً للتأثير على الرأي العام أو تشتيت الانتباه، كالفيديو الذي نشره ترامب عام 2025 باستخدام الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يقود طائرة مقاتلة مرتديا تاج الملوك، ويلقي فضلات على المتظاهرين الأمريكيين!!.
الإيرانيون أيضا استخدموا ذات الأسلوب عبر إنتاج مقاطع فيديو متحركة مثل فيديوهات بأسلوب Lego) ) وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي كجزء من حربها الإعلامية.
وتشير تقارير بحثية إلى أن روسيا والصين تستخدم "السلوباغاندا" لإنتاج قصص إخبارية محلية مزيفة بكميات ضخمة للتلاعب بالانتخابات في دول أخرى، وفي كندا وأستراليا، رُبط المصطلح بحملات تضليل نفذتها قوى يمينية ومحافظة استهدفت مرشحين سياسيين عبر صور"Deepfakes" انتشرت كالنار في الهشيم، هي سلاح غير معلن والسياسيون لا يتبنى أحدهم ولا يصرح باستخدام "السلوباغاندا".
الصور والمشاهد والمقاطع التي تنشر لا تهدف إلى اقناع المتلقي بحقيقة ما تبثه، وإنما أحيانا يكون الهدف هو "خلق انطباع بصري زائف" أو "اثارة الغضب داخلك" أو"اظهار الأمور كأنها حقيقة - تلوث المعلومات" أو "السخرية والتشويه المستمر"، وصولا إلى التلاعب بمشاعرك.
الخطر لا يكمن في أن الناس يصدقون هذه الصور "الرديئة" -وربما هذا غير مطلوب-، بل في أنها تسمم بئر الحقيقة،عندما يعتاد الجمهور على رؤية كميات هائلة من "السلوباغاندا"، يبدأ في فقدان الثقة بكل ما يراه، حتى المحتوى الحقيقي والموثق، وهو ما يخدم الأنظمة أو الجهات التي تسعى لنشر الفوضى المعلوماتية.
فـ "السلوباغاندا" هي "الوجبات السريعة" للدعاية السياسية؛ رخيصة، ضارة، وتنتشر بسرعة البرق، وهدفها ليس إقناعك بالمنطق، بل محاصرة وعيك بالضجيج الرقمي.
السؤال الأهم كيف يمكن حماية أنفسنا ومجتمعاتنا من الوقوع في فخ "السلوباغاندا"، يقترح الخبراء والباحثون استراتيجيات تعتمد على الحذر الرقمي والتفكير النقدي، وأهمها أولا: ابحث عن "العيوب البصرية"، "السلوباغاندا" تعتمد على الإنتاج الغزير والسريع، فغالباً ما يفتقر المحتوى للدقة. ابحث عن الأطراف والملامح ودقق في الأصابع، الأسنان، أو خلفيات الصور؛ الذكاء الاصطناعي غالباً ما يخطئ في دمج الأجسام أو رسم التفاصيل الدقيقة بشكل منطقي، ودقق في النصوص داخل الصور غالباً ما تظهر الكتابة داخل الصور المولدة آلياً بشكل مشوه أو بلغة غير مفهومة.
ثانيا: طبق قاعدة "الثواني الثلاث"، فقبل التفاعل (لايك أو مشاركة) مع أي محتوى مثير للعواطف، توقف لمدة 3 ثوانٍ واسأل نفسك: "لماذا أشعر بالغضب أو الفرح المفاجئ الآن؟". السلوباغاندا تهدف للتلاعب بمشاعرك لتعطيل تفكيرك المنطقي.
ثالثا: تقنية "البحث العكسي" عن الصور، فإذا رأيت صورة تبدو غريبة أو "مثالية زيادة عن اللزوم"، استخدم محركات البحث العكسي إذا لم تجد للصور أصلاً في وكالات الأنباء الموثوقة، أو وجدت أنها تظهر فقط في حسابات مجهولة، فأنت على حافة الوقوع في فخ "السلوباغاندا".
رابعا: تحقق من "تاريخ الحساب" ونشاطه، حملات السلوباغاندا تُدار عادة عبر "بوتات" (Bots)، لذلك تحقق من الحساب الناشر؛ إذا كان قد أُنشئ حديثاً، أو ينشر مئات التغريدات يومياً حول موضوع واحد فقط، أو ليس لديه صورة شخصية حقيقية، فاحذر منه.
خامسا: ابحث عن "التنوع المعلوماتي" ، لا تعتمد على منصة واحدة للأخبار، السلوباغاندا تنجح عندما "تُغرق" منصة واحدة بمحتواها، وقارن الخبر بمصادر إخبارية تقليدية ومستقلة تكشف فوراً إذا كان المحتوى "سلوب" (نفايات رقمية) أم حقيقة.
سادسا: احذر من "التخصيص الفائق"، إذا لاحظت أن هاتفك يعرض لك فجأة الكثير من الصور والفيديوهات التي تؤيد رأيك السياسي بشكل مبالغ فيه وبجودة فنية مشكوك فيها، فاعلم أن الخوارزميات قد وضعتك في "فقاعة السلوباغاندا"، قم بمتابعة مصادر تخالف رأيك لتكسر حدة التوجيه الآلي، وسابعا: لا تساهم في "التلوث الرقمي" ، فأقوى سلاح ضدها هو التجاهل وعدم المشاركة، حتى لو كنت تنشر الصورة لتسخر منها، فأنت تساهم في زيادة وصولها.
تذكر دائماً أن "السلوباغاندا" تراهن على سرعتنا في التفاعل، لذا فإن أفضل رد فعل تجاهها هو التريث قبل ضغط زر المشاركة.
إننا نحتاج خلق ثقافة رقمية جديدة تعتبر التحقق من المصدر فعلاً غريزياً مثل التنفس. وحتى ذلك الحين، ستظل "السلوباغاندا" قادرة على تحريك الشارع بـ "بكسلات" مشوهة، طالما أنها تلمس وتراً عاطفياً حساساً.
إذن خيارنا هو تحصين عقولنا وعقول أبنائنا وأفراد مجتمعنا، لأن الرهان على الوعي باعتباره خط الدفاع الأول والأخير لنا ولمجتمعنا.