أطفال السكر في غزة… البقاء مرهون بجرعة أنسولين مؤجلة

صورة "أرشيفية"
صورة "أرشيفية"

خاص- الرسالة نت

كانت الطفلة غادة، ذات الأعوام الأربعة، تبدو أصغر من عمرها بكثير، كأن الجوع سرق من جسدها سنوات لم تعشها بعد. في أحد أسرّة مستشفى مستشفى الرنتيسي، ترقد بصمت ثقيل، بعينين واسعتين لا تفهمان لماذا يُمنع عنها الخبز الذي يملأ أيدي الأطفال من حولها. جسدها لا يحتمل القمح، ومرضها لا يحتمل الجوع.

تعاني غادة من السكري وحساسية القمح معًا، معادلة قاسية لا ترحم طفلة في مكان لا يملك ترف الخيارات. تحتاج إلى غذاء خاص خالٍ من الغلوتين، وإلى إنسولين منتظم، لكن الواقع يضعها كل يوم أمام خيار مستحيل: أن تأكل ما يؤذي أمعاءها، أو أن تمتنع فتنهار مستويات السكر في دمها. تقول أمها إن ما يصلهم من طحين خاص نادر ولا يكفي، وإنها تقف عاجزة بين مرضين يتنازعان جسد ابنتها الصغيرة، في مكان صار فيه الخبز رفاهية، فكيف بغذاءٍ طبي؟

أطفال السكر

وفي زاوية أخرى من الحكاية نفسها، يجلس آدم، طفل لم يتجاوز العاشرة، على أرض خيمة نزوح باردة، يراقب إبرة الإنسولين كما لو كانت آخر خيط يربطه بالحياة.

لم يعد آدم يخاف من الألم بقدر ما يخاف من غياب الإبرة نفسها. كان قبل الحرب يعرف مواعيد دوائه، أما اليوم فقد اختلطت الأيام، وصار الجوع جزءًا من العلاج القاسي. يقول إنه يشعر أحيانًا بدوار شديد، وإنه يخاف أن ينام فلا يستيقظ. لا يجد طعامًا مناسبًا، ولا كهرباء لحفظ الدواء، ولا استقرارًا يسمح لجسده أن يهدأ. كل ما حوله مؤقت، حتى صحته.

بهاتين الصورتين تبدأ الحكاية الأوسع، حكاية مئات الأطفال المصابين بمرض السكري في غزة، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة مزدوجة: مرض مزمن يحتاج إلى انتظام ودقة، وواقع قاسٍ قائم على الفوضى والنقص والانقطاع الذي قد يقود إلى غيبوبة، وربما إلى الموت.

مرض حساس

ويحذّر أطباء من داخل القطاع، من بينهم الدكتور أحمد أبو طه، من أن نقص الإنسولين بلغ مستويات خطيرة، مؤكدين أن هذا المرض يُعد “حالة خاصة” لا تحتمل التأجيل أو الانقطاع. فالسكري يعتمد على توازن دقيق بين الدواء والغذاء والوقت، وأي خلل في هذا التوازن قد يدفع المريض إلى مضاعفات حادة.

ولكن في غزة، ينهار هذا التوازن بالكامل؛ فالإنسولين لا يتوفر بانتظام، وإن توفر يصعب حفظه بسبب انقطاع الكهرباء، ما يهدد فعاليته. أما الغذاء، الذي يُفترض أن يكون محسوبًا بعناية، فقد أصبح في معظمه محدودًا بالخبز والمعلبات، وهو ما يجعل التحكم في مستويات السكر شبه مستحيل، خصوصًا لدى الأطفال.

ويؤكد الأطباء أن خطورة السكري لا تكمن فقط في كونه مرضًا مزمنًا، بل في كونه مرضًا لا يمنح مهلة. الجرعة لا يمكن تأجيلها، والوجبة لا يمكن استبدالها عشوائيًا، والجسد الصغير لا يحتمل التقلبات الحادة. الأطفال تحديدًا هم الأكثر هشاشة، لأن أجسادهم أسرع تأثرًا، ولأنهم يحتاجون متابعة دقيقة لا يمكن توفيرها في بيئة نزوح وفوضى.

مرض مرهون بالوقت

وفي ظل هذا الواقع، قد تتحول ساعات قليلة من الانقطاع عن العلاج إلى خطر حقيقي على الحياة.

في مستشفى الرنتيسي الذي يعمل باقل امكانيات، يحاول الأطباء التعامل مع أعداد متزايدة من الأطفال الذين يصلون بحالات هبوط حاد أو مضاعفات خطيرة، كثير منها كان يمكن تفاديه لو توفر الدواء والغذاء المناسبان. لكن الأطباء أنفسهم يعملون ضمن حدود قاسية، بإمكانيات شحيحة، وأمام ضغط يفوق القدرة.

وبين سرير وآخر، تتكرر القصة نفسها بأسماء مختلفة، بأجساد صغيرة تحمل عبئًا أكبر من أعمارها.

لا تنتهي الحكاية عند حدود المرض، بل تمتد إلى ما هو أبعد: إلى شعور دائم بالخطر، إلى طفولة تُسحب منها أبسط حقوقها، إلى أمهات يراقبن أطفالهن طوال الليل خوفًا من انخفاض مفاجئ في السكر، وإلى آباء يحاولون إيجاد دواء في مدينة لم يعد فيها شيء مضمون، والحياة دوما على حافة الخوف.