في مشهدٍ يعكس تحوّلات مقلقة في الخطاب السياسي، لم تعد مظاهر العنف التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين تُمارَس في الميدان فحسب، بل باتت تُعاد صياغتها كرموزٍ احتفالية تُقدَّم علنًا، دون خشية من مساءلة أو محاسبة دولية. فمع تصاعد حضور التيارات اليمينية المتطرفة في مراكز القرار، أخذت هذه السياسات منحىً أكثر جرأة، انتقل من التنفيذ إلى الترويج، ومن الفعل إلى الاحتفاء، في ظل واقعٍ يتآكل فيه الخط الفاصل بين القوة والبطش، وبين السياسة والاستعراض.
هذا التحوّل تجلّى بوضوح في المشاهد التي نشرتها منصات إسرائيلية من احتفال زوجة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بعيد ميلاده الخمسين، حيث قدّمت له كعكة تتوسطها مجسّمات لحبل المشنقة، في إشارة مباشرة إلى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقرّه الكنيست ويتبناه الوزير. لم يكن الرمز عابرًا، بل بدا كترجمة بصرية لسياسة قائمة، ورسالة سياسية تُعرض في قالب احتفالي، تعكس مدى تغلغل خطاب العقاب الأقصى في المشهد العام.
وقد رأى مغرّدون أن استخدام رموز الموت في سياق احتفالي لا يعكس قوة سياسية، بل يكشف عن خواء إنساني وتراجع أخلاقي في الخطاب العام، محذّرين من أن تكرار مثل هذه المشاهد قد يرسّخ ثقافة العنف في الوعي الجمعي. وفي السياق ذاته، تشير مؤسسات حقوقية إلى أن الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية أخذت طابعًا رسميًا وغطاءً سياسيًا، خاصة مع تولّي بن غفير هذا الملف، حيث سُجّلت مشاركته في ممارسات قاسية بحق الأسرى، بل ونشره لبعضها متفاخرًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
هكذا، لا تبدو "كعكة المشنقة" مجرد حادثة مثيرة للجدل، بل مؤشّرًا على مسارٍ آخذ في التصاعد، تُشرعن فيه السياسات القمعية، وتُعاد صياغة العنف كجزء من الخطاب اليومي، في ظل غياب رادع حقيقي يحدّ من هذا الانزلاق.
دلالات سياسية لكعكة "حبل المشنقة":
- الاحتفاء بتشريع الإعدام:يرمز حبل المشنقة الذهبي الذي يتوسط الكعكة إلى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقرّه الكنيست، والذي يُعد إيتمار بن غفير من أبرز الداعمين له. وبذلك، لا يظهر الرمز كعنصر جمالي، بل كترجمة بصرية مباشرة لتشريع سياسي يجري الدفع به، ما يحوّل المناسبة الخاصة إلى منصة لإبراز هذا التوجه.
- تجسيد لسياسة العنف والعقاب الأقصى:تحمل الكعكة في مضمونها رسالة تتجاوز الاحتفال، لتعبّر عن تبنّي خطاب يقوم على العنف الممنهج كأداة للحكم. فوجود رمز الإعدام في سياق احتفالي يعكس انتقال هذه السياسات من حيّز التنفيذ إلى حيّز الترويج والتطبيع، بما يوحي بأن القسوة أصبحت جزءًا من الخطاب المقبول.
- عبارة "الأحلام تتحقق" كدلالة أيديولوجية:العبارة المكتوبة على الكعكة “أحيانًا تتحقق الأحلام” تمنح الحدث بُعدًا شخصيًا وسياسيًا في آن واحد، إذ توحي بأن إقرار سياسات مثل الإعدام يُعد إنجازًا طال السعي إليه. وهذا يعكس ذهنية ترى في العقاب الأقصى هدفًا مشروعًا، بل ومصدر فخر.
- رمزية الأسلحة وتعزيز خطاب القوة:تضمّن تصميم الكعكة مجسّمات لمسدسات، في إشارة إلى سياسات الوزير المتعلقة بتوسيع حيازة السلاح وتخفيف القيود عليه. هذا الربط بين الإعدام والسلاح يعكس خطابًا متكاملًا يقوم على تكريس أدوات القوة، ويعزز صورة نهج أمني قائم على الردع والعنف.
- رسالة سياسية متشددة ومتكاملة:اجتماع رموز المشنقة والسلاح ضمن مشهد واحد يعكس رؤية سياسية واضحة، تقوم على التشدد في التعامل مع الفلسطينيين، وتوسيع صلاحيات القوة الأمنية. هذه الرموز لا تُقرأ بمعزل عن بعضها، بل كمنظومة تعبيرية تعكس توجّهًا أيديولوجيًا متماسكًا.
- شرعنة "عنف الدولة" عبر الحضور الرسمي:حضور قيادات من الشرطة ومصلحة السجون في الحفل أضفى طابعًا شبه رسمي على المناسبة، ما اعتبره منتقدون مؤشرًا على تقاطع المؤسسة الرسمية مع هذا الخطاب، أو على الأقل عدم رفضه. وهو ما يعزز الانطباع بأن هذه الرمزية تحظى بقبول ضمني داخل دوائر القرار.
- تحويل السياسات إلى رموز احتفالية: في مجملها، تعكس الكعكة انتقال السياسات من مستوى التطبيق إلى مستوى التمثيل الرمزي، حيث تُقدَّم كصور قابلة للاستهلاك الإعلامي. وهذا التحوّل يساهم في تطبيع هذه السياسات، وإدخالها إلى الوعي العام بوصفها أمرًا مألوفًا، بل ومحتفى به.