جملة تخبطات يقترفها الانقلابيون في مصر منها مثلًا اتهام الرئيس المصري محمد مرسي بالتخابر مع حركة حماس و"اقتحام السجون" في إطار ما يعرف بقضية الفرار من سجن وادي النطرون.
حماس استنكرت هذا الموقف "لأنه ينبني على اعتبار أنها حركة معادية"، في حين وصفت جماعة الإخوان القرار بأنه سخيف ويشير إلى عودة نظام الرئيس المخلوع مبارك.
المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة قال إن التخابر مع حماس تهمة في (إسرائيل) فقط، وقال أيضًا صلاح البردويل القيادي في حماس: "نستغرب هذا السلوك السياسي البغيض الذي يصدر للأسف الشديد عن القضاء المصري الذي نحترمه".
قرار القضاء المصري حبْس مرسي زاد حماسة متظاهري "التفويض" الذين ناداهم وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي للنزول إلى الميادين من أجل مواجهة "العنف والإرهاب"، وأوجد كذلك مخرجا للسيسي من تهمة اعتقال الرئيس في ظل إلحاح المجتمع الدولي الذي يطالب بإطلاق سراحه.
"من المؤسف أن يصل القضاء المصري مع ما يملكه من تاريخ وإمكانات ورموز إلى هذه المرحلة، وأن ينحدر في سلوكه وممارساته ليغطي انقلابًا عسكريًا، وليسمح لقادة سياسيين فاشلين بأن يمسكوا بالسلطة مجددًا، وأن يتغاضى عن جرائم القوى العسكرية"، يقول الكاتب اللبناني حسان القطب.
ويضيف: "إنها مرحلة سوداء قاتمة في تاريخ مصر وقضائها وقواتها المسلحة لكنها سوف تنجلي دون شك، والعودة إلى الديمقراطية حتمية لأن الشعب المصري الذي اكتوى بنار الديكتاتورية العسكرية وقضائها سوف ينتفض مجددًا".
ويرى الكاتب الأردني حلمي الأسمر أن "القضاء المصري سقطت عنه ورقة التوت بعد أن تورط بالكامل في اللعبة القذرة".
ومنذ جاء مرسي إلى السلطة لم تكد أزمة ما تهدأ بين مؤسستي الرئاسة والقضاء حتى تشتعل أزمة جديدة بدءا من أزمة عودة مجلس الشعب مرورا بالإعلانات الدستورية التي أصدرها الرئيس مرسي نفسه والإصرار على استمرار عمل النائب العام وصولا إلى أزمة قانون السلطة القضائية الذي أحدث جدلا واسعا وأثار مخاوف كبيرة من تسييس القضاء المصري.
واستحكمت الأزمة بين القضاة والرئاسة في عهد الرئيس مرسي، وبلغت أخيرا مرحلة خطيرة حين طالب المستشار أحمد الزند رئيس نادي قضاة مصر الرئيس الأميركي بالتدخل، وهذا ما عرض الزند لانتقادات، فاعتبر كثيرون طلبه استقواء منه بأطراف خارجية ومحاولة لتدويل أزمة القضاء.
"كذبة اسمها استقلالية القضاء في مصر"، عنوان مقالة كتبها عباس الضالعي قال فيها: "كنت من أشد المعجبين بالقضاء المصري لما كان يوصف به بأنه قضاء مستقل، ولكن الأيام أثبتت أنه لا يوجد قضاء مستقل في عالمنا العربي".
ويشير إلى أن قضاء مصر كان في أيام حكم الرئيس مرسي في مهمة "مناوبة" لكل تحركاته، "وكانوا يعارضون كل قرار يصدره أو حديث يصرح به"، مستدركًا: "اتضح أنهم جنود مجندون من الخارج بموجب دفع مسبق لعرقلة مسيرة التغيير التي كان يقودها مرسي".
واختتم حديثه يائسًا: "قضية استقلالية القضاء ووطنية الجيش والمخابرات كلها مفاهيم كاذبة.. في مصر وباقي دول العربان".
أما الكاتب والباحث المصري الدكتور خالد سعد النجار فيقول: "القاضي المصري اليوم هو خريج كلية الحقوق التي تحتل ذيل القائمة في الجامعة المصرية، ولا يدخلها إلا من فاتهم قطار التميز العلمي والنباهة الفكرية، فهم يلتحقون بها من قلة الحيلة كي يدركوا شهادة جامعية فقط".
ويضيف: "حتى التعيين في سلك القضاء قائم على الرشوة أو المحسوبية وليس على أكفاء الدفعات الجامعية من أوائل الدفعات ذوي التقديرات المرموقة.. لقد صار مجتمع القضاء المصري أشبه بالعائلة الواحدة التي تحتكر هذا المنصب، فابن المستشار يصير في النيابة حتى لو كانت تقديراته الجامعية ضعيفة، ومن أراد الانضمام إلى هذه العائلة المرموقة عليه أن يبحث فيها عن عم أو خال أو أي قريب قاض أو مستشار ليمرر له الانتساب المشبوه، وإلا فالمال عوض عن القرابة".
وعودا على بدء، استوقفت تهمة "التخابر مع حماس" التي ألصقها القضاء المصري لمرسي الكاتب الأردني عريب الرنتاوي الذي راح يتساءل: "ما الذي تعنيه عبارة (التخابر مع حماس)؟.. كيف لرئيس أكبر دولة عربية أن يجعل من نفسه مُخبرًا لحركة أو فصيل في دولة ثانية؟".
"مَنْ في مصر بمستوييها الأمني والسياسي لم يكن على صلة وتواصل مع حماس؟، ومن قال إن الاتصال والتواصل مع حماس يعتبران تخابرًا بمعنى جريمة يحاسب عليها القانون؟.. حقًا إنها تهمة مثيرة للسخرية"، يضيف الرنتاوي متهكمًا.
الجدير بالذكر أن لائحة الاتهامات المسندة إلى مرسي تضمنت "السعي والتخابر مع حركة حماس لتنفيذ أعمال عدائية في البلاد، والهجوم على المنشآت الشرطية والضباط والجنود، واقتحام السجون المصرية وتخريب مبانيها، ووضع النيران عمدا في سجن وادي النطرون، وتمكين السجناء من الهرب وهربه شخصيا من السجن، وإتلاف الدفاتر والسجلات الخاصة بالسجون".
وجاء في لائحة الاتهامات أيضا: "اقتحام أقسام الشرطة وتخريب المباني العامة والأملاك، وقتل بعض السجناء والضباط والجنود عمدا مع سبق الإصرار، واختطاف بعض الضباط والجنود".
ولا يخفى على أحد أن القضاء المستقل هو عماد الاستقرار في أي مجتمع، وعندما يفسد القضاء ويصبح ألعوبة بيد الساسة يتدهور الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكم أن تتصوروا إلى أي درك بلغ الإسفاف بالقضاء المصري.