ليس ثمة شك في أن الرئيس المصري محمد مرسي ارتكب أخطاء في إدارته لشؤون البلاد، وأن بين هذه الأخطاء ما وفر مادة لخصومه، ولكن المؤكد أن ليس بين هذه الأخطاء فرض برنامج إسلامي على البلاد أو أخونة الدولة، فمسألة الأسلمة لم تكن محل جدل ملموس في الطريق إلى إطاحة مرسي، بل اتضح بعد أن تكاتف جهاز الدولة بأكمله ضد الرئيس أن اتهامات الأخونة كانت مجرد دعاية سياسية.
على مدار ستة عقود قبل انتفاضة عام 2011، فإن «جماعة الإخوان المسلمون» كانت جالسة في صفوف المعارضة ملتزمة التهدئة والصلح مع نظام قمعي، ولكن الأمور اختلفت هذه المرة، فبعد أن عزل الجيش مرسي واحتجز قادة «الإخوان» وأصدر مذكرات اعتقال بحق قادتها وأغلق المحطة التلفزيونية لـ«الجماعة» وبعض مكاتبها، ثم قتلت قوات الأمن العشرات وأصابت المئات من أنصارها، لا يبدو أن «الإخوان» ستنسحب من المشهد بهدوء، فهي دعت إلى انتفاضة وتعهدت مرارا وتكرارا بتصعيد احتجاجاتها إلى حين إعادة مرسي.
وخلال رئاسة مرسي تعامل «الإخوان» مع الجيش أحيانا على أنه خارج نطاق السيطرة، فقد احترمت «الجماعة» استقلال الجيش وفضلته على مصالحها الاقتصادية الخاصة والقضايا الدفاعية، بل إنها رسخت ذلك الاستقلال في الدستور الذي صادق عليه مرسي بعجلة في كانون الأول/ديسمبر، ولكن الأمر الجدير بالملاحظة أنه رغم أن فرص «الإخوان» للفوز ضد الجيش تعد محدودة، فإنها تبدو مستعدة لمواصلة الصدام، وذلك لسببين:
السبب الأول
يشك أعضاء الجماعة في أن الجيش موحد ويؤيد الاستمرار في حملة القمع الجارية، وهم يرون احتمالية حدوث انشقاقات داخل صفوف الجيش في حال تصعيد الجنرالات العنف، ورغم أن تفكير الجيش المصري على المستويات الأدنى من الجنرالات يكتنفه الغموض، فإن التاريخ الحديث يعزز رهان «الإخوان».
وعلى كل حال، فمن بين النظريات المعقولة بشأن إخفاق الجيش في إعطاء الأوامر بقمع المتظاهرين في "ميدان التحرير" أثناء انتفاضة 2011 أن الجنود المتمركزين في "الميدان" كانوا سيرفضون إطاعة الأوامر الأمر الذي كان سيتسبب في حدوث فوضى.
وبغض النظر عن وجود متعاطفين كثيرين مع «الإخوان» داخل الجيش أم لا فإن قادة الجيش المصري كانوا دائما يواجهون خطر رفض الجنود الذين يجندون عبر عملية تجنيد عامة إطلاق النار على مواطنيهم.
كذلك يرى «الإخوان» أن حلفائهم داخل الجيش سيحاولون منع هجوم شامل ضد «الجماعة».
ويقول المتحدث الرسمي باسم «الإخوان» جهاد الحداد: "إنهم –الجيش- يتحدثون إلينا بالفعل ليس على مستوى القيادات الدنيا فحسب، بل على مستوى القيادات العليا".
ويضيف: "يقولون لنا إن مرسي بخير، وقد اتصلوا بي بخصوص حاجة والدي -مستشار مرسي المحتجز عصام الحداد- إلى الدواء، وهم يطلعوننا على ما يجري".
ويحاول «الإخوان المسلمون» استغلال أي توترات داخل الجيش بتمييز الجنرالات الذين عزلوا مرسي علانية من المؤسسة ككل، وهم "الانقلابيون" كما سماهم القيادي في «الجماعة» عصام العريان.
السبب الثاني
«الجماعة» تعلم أنها تستطيع الاعتماد على أعضائها الذين يبلغ عددهم حوالي 250,000 شخص وفقا للتقديرات المتواضعة لمواصلة المخاطرة بحياتهم احتجاجا على عزل مرسي.
بعد كل ذلك، فإن أيديولوجية «الإخوان» تعظم الشهادة وشعارها المحفور في صدر كل عضو من أعضائها يتمثل في عبارات مثل: "الجهاد هو سبيلنا" و"الموت في سبيل الله أسمى أمانينا".
ويقول الحداد إنهم ليسوا كهؤلاء الموجودين في «التحرير»، معلقا: "عندما سمع الناس في رابعة العدوية حيث يتظاهر «الإخوان» صوت الرصاص أقبلوا عليه ولم يهربوا"، لهذا يؤمن قادة «الجماعة» أنهم يستطيعون الاستمرار في استدعاء جنودهم في حين رأوا أن ذلك ملائم.
في المقابل، فإن قيادة الجيش تراهن نتيجة تركيز «الإخوان» واعتمادها على ترتيب هرمي منظم، على استئصال رؤوس «الجماعة» بما يجعلها تتصرف باضطراب وربما أكثر عنفا ما يعزز قمعه ضدها.
وعلى كل حال، فإن اعتقال رؤوس «الإخوان» يعني استبعاد أولئك القادة الذين يمكنهم عكس الإستراتيجية الحالية للجماعة وتقرير أن الجيش هو مرة أخرى السقف المطلوب تجاوزه.
ويرى المراقبون أنه بغض النظر عن حصول انشقاقات في صفوف قيادة الجيش أم لا، فمن غير المرجح أن تعدل القيادة قرارها الأساسي شأنها في ذلك شأن «الجماعة»، لأن إعادة رئيس عزله القادة من السلطة سوف يمثل انتحارا للجنرالات.
في الخلاصة، فإن السيناريو الظاهر هو استمرار الاضطرابات المدنية، فلكل من الجيش وجماعة «الإخوان» مصالح متنافرة، وهما على استعداد للقتال من أجلها إلى أجل غير مسمى، وسوف ينتهي الصراع عندما ينهار أحدهما إلا إذا انهار اقتصاد مصر أولا.
معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (بتصرف)