قائمة الموقع

الطفل السكني عانقه الموت قبل احتضان والده

2013-06-24T15:35:30+03:00
الطفل طارق السكني خلال محاولة إسعافة
الرسالة نت – محمود هنية

لحظات قليلة تلك التي جمعته بوالدته منذ باكورة الصباح، قبل أن يغادر كالعادة الى المخيم الصيفي، وقد غمرته سعادة عارمة.

تساءلت والدته عن سر تلك السعادة، فأخبرها عزمه إلقاء كلمة عن أصدقاءه في مهرجان تضامني مع الأسرى.

فرحت أمه لفرحه، بيد أن شيئًا غريبًا بدأ يساور قلبها. طالبته بالحرص على نفسه والعناية جيدًا، قبل أن يهم بالخروج من البيت.

توقف طارق ذو الربيع الحادي عشر، قليلًا ليحدث والدته عن لقاءه مع والده أحمد السكني المعتقل في سجون الاحتلال منذ أحد عشر عامًا، حرم خلالها من الالتقاء به أو زيارته، لا يعلم عنه سوى ما حدثته أمه عنه، ولم يشاهده الا عبر صورته المعلقة على جدران المنزل.

سألته أمه "ايش حلمت في أبوك يا طارق؟"،  توقف الطفل قليلًا وهو يستند على صورة والده في صدر البيت، ليجيب ببراءة: "شفته الليلة في المنام وقبلته وحكالي يا طارق انا بحبك كتير وفرحان فيك".

ذرفت من عينيها دمعة خاطفة، حاولت أن تخفيها عن ولدها، بيد أنها ابتسمت ابتسامة خجولة، "نيالك يا طروق، يلا يا ماما جهز كلمتك منيح، واحكي عن بابا". وفق رواية الأم لـ"الرسالة نت".

خرج طارق، وقد ساور الأم الكثير من الخوف والقلق، ولا تدري لماذا، سوى أن هاجسًا يدور في بالها، لأنه وحيدها من زوج معتقل في سجون الاحتلال.

ذهب طارق إلى الحفل، وبثقة عالية، قال لمسئوله: "اليوم راح أهز الدنيا، وحخلي العالم يرجف لأجل الأسرى".

تحدث أحمد بلغة الكبار، ووقف رجلًا ثابتًا، تأثر لقوة جرأته وبلاغته في الحديث من كان حاضرّا في المكان، وقد بدت عليهم معالم الاعجاب جراء صوته المجلجل، بوصف مسئوله.

عاد مسئوله، مرة أخرى ليبحث عنه فثمة وسيلة إعلامية تريد طفلًا يتحدث عن معاناة أطفال الأسرى، وقد طلبوه بالاسم ليتحدث عن ذلك.

وتحدث طارق الكلمات الأخيرة له، معبّرًا عن معاناته جراء الفراق عن والده والتغييب القسري عنه بفعل محتل غاشم، اختطف كل معاني الانسانية، وحل محلها وحشية لا يعرف في الحياة دونها.

ناشد وطالب ودعا فلم يترك طارق فعلًا، يدغدغ العواطف من خلاله إلا واستخدمه، ولكنه كما يقول الشاعر ناديت لو أسمعت حيًا، تعقب والدته بالقول.

أحد عشر عامًا، لم ير فيها طارق والده الأسير أحمد السكني من حي الزيتون، منذ اختطفه الاحتلال عام 2001، وحكم عليه بالسجن لمدة "25"عاماً، مضى منها أحد عشر عامًا ونصف، بعيّدًا عن بكره ووحيده طارق.

مرات قليلة تلك التي تحدث فيها طارق مع والده عبر الهاتف، بيد أنها دقائق قلة التي تتم فيها المكالمة، وتمر كلمح البصر بل أسرع من ذلك؛ لأن الكلمة الأولى والأخيرة فيها هي "حبيبي يا بابا، بحبك مشتاقلك، ونفسي أشوفك"، وكم هي المرات التي يبكي فيها طارق، لأنه لم يتسن له الحديث مع والده.

قلب استثنائي ذلك الذي حمله طارق، فأي قلب صغير مفعم بكل هذا الهم والحزن على فراق الأب خلف السجون، بكى طارق كثيرًا في آخر اتصال مع والده، وكأنه يقول أنه الاتصال الأخير يا أبي.

وكان طارق، الطفل الوحيد الذي لقي مصرعه بعد أن ألقى كلمته الأخيرة عن الأسرى في دقائق، قبل أن تقله الحافلة هو وأصدقائه في المخيم اثناء عودتهم، واصطدمت بشاحنة (مقطورة)، شرق مخيم جباليا شمال قطاع غزة.

وراح ضحية الحادث طارق، وأصيب أكثر من 30 طفلًأ آخرين حالتهم بين المتوسطة والحرجة.

رحل طارق ورحلت معه قلوب يزداد فيها نار الفرقة لهيبًا واشتعالًا، واحتضنته ثرى الأرض قبل أن تعانقه قبلات أب طار قلبه شوقًا لطفله البعيد عنه.

غادر طارق ولم يشأ القدر أن يعانق والده فوق الثرى، بيد أنها أقدار شعب اشتكى الصبر من شدة ألمه وتحمله.

اخبار ذات صلة