معركة بين نكتتين ومطربين

حرب 67: انطباعات مفكري الصهاينة وتفسيراتهم

د. صالح النعامي

مع حلول الذكرى الخامسة والأربعين لحرب 67، يواصل الباحثون والمفكرون الصهاينة تقييم هذه الحرب وتفسير حدوثها وسبر أغوار نتائجها. ومن المفارقة أن من الباحثين الصهاينة من رأى في هذه الحرب نتاجا طبيعيا لصراع الحضارات بين المشروع الصهيوني والعالم العربي.

وقال المؤرخ (الإسرائيلي) الشهير بني موريس أنه من المحتم أن تندلع الحروب بين العرب و(إسرائيل)، لأن النزاع (الإسرائيلي) – العربي"  نزاع بين حضارتين وثقافتين متناقضتين تاما، ولهذا فإن هذا النزاع شبيه بجبل بركاني نشط ينفجر من آن لآخر؛ توجد انفجارات نتائجها طفيفة وتوجد انفجارات تهز الارض وتحرك طبقاتها. وكانت حرب الايام الستة كذلك"، على حد تعبيره.

من ناحيته يقول عالم الاجتماع (الإسرائيلي) عوز الموغ أن أكبر مصيبة واجهت (إسرائيل) في اعقاب انتصارها في حرب الأيام الستة، كان بلا شك تولي الحركات الإسلامية قيادة النضال ضد (إسرائيل) والمشروع الصهيوني.

"

يقول عالم الاجتماع (الإسرائيلي) عوز الموغ أن أكبر مصيبة واجهت (إسرائيل) في اعقاب انتصارها في حرب الأيام الستة، كان بلا شك تولي الحركات الإسلامية قيادة النضال ضد (إسرائيل) والمشروع الصهيوني.

"

 أما المستشرق (الإسرائيلي) شاؤول مشعال، فيقول أنه يتوجب على قيادات دولة (إسرائيل) " أن تشعر بالامتنان للأنظمة العربية التي تتولى محاربة الحركات الإسلامية لا هوادة، معتبراً أن حرب الأيام الستة اسقطت الخيار القومي العلماني العربي، ليحل محله الخيار الإسلامي الذي يرفض التوافق بحال من الأحوال مع بقاء المشروع الصهيوني".

الحرب تسفر عن تراجع قيم الصهيونية

من ناحيته قال المفكر والاديب (الإسرائيلي) درور نيسان أن الحرب ادت الى تجذر العنف وانعدام الميل للتسامح في المجتمع، وتطرف قومي، وكراهية الأجانب، وزيادة مظاهر الإكراه الديني. واضاف "لقد اصبح المجتمع مستلب للقوة ولخياراتها فقط. لقد اصبنا بالعمى فرفضنا أن نعتبر أن احتلالنا للفلسطينيين هو صورة من صور الاحتلال التي كانت في التاريخ ". وشبه نيسان وضع (إسرائيل) بوضع مملكة اسبرطة التي انهارت في القرن الثامن قبل الميلاد بسبب اعتمادها على خيار القوة فقط.  من ناحية ثانية اشار الموغ الى أن الأجيال (الإسرائيلية)  تفقد شيئاً فشيئاً الشعور بأهمية النصر الذي حقق في العام 1967.

 ويشير الى أن المجتمع (الإسرائيلي) كان بعيد الحرب في " ذروة الموجة الصهيونية. في نشوة قومية، وسكرة حب للجيش (الإسرائيلي). منذ ذلك الحين وهذه الموجة في انحدار وحدث تراجع واضح عن قيم الصهيونية ". ويضيف أن الحرب أدت الى طرح المزيد من الاسئلة حول الهوية الذاتية للمجتمع وتعمق الصدع في جسده.

أما مشعال فيقول أن حرب الايام الستة غيرت ميزان (إسرائيل) الثقافي، "حيث انتصرت الشرقية على اختلاف أنواعها انتصارا كبيرا. فنصف الدولة يفكر ويتنفس على نحو شرقي". ويرى مشعال أن صعود اليمين بزعامة مناحيم بيغين في العام 1977 كان في الواقع امتداداً للتغيرات التي طرأت في اعقاب الحرب. من ناحيته يقول الكاتب عكيفا الدار أنه بعد انتهاء حرب العام 67 فقدت (إسرائيل) حريتها، وتحولت حياتها الى حياة بائسة. واضاف " وهكذا أدى الانتصار في ارض المعركة، الذي أُريد منه أن يمنحنا حياة آمنة وادعة، الى تحويلنا الى بائسين والى تنغيص حياة الآخرين ".

"

حرب الأيام الستة اسقطت الخيار القومي العلماني العربي، ليحل محله الخيار الإسلامي الذي يرفض التوافق بحال من الأحوال مع بقاء المشروع الصهيوني". 

"

ويشير الدار الى أن المفكر (الإسرائيلي) يشيعياهو ليفوفيتش حذر منذ ربيع 1968 من آثار الاحتلال على روح التعليم والتربية وحرية التعبير والتفكير والنظام الديمقراطي في (إسرائيل). واضاف أنه توقع أن لا تنجو (إسرائيل) من الفساد الذي يصيب كل دولة استعمارية كولونيالية، وحذّر من انهيار التركيبة الاجتماعية وإفساد روح الانسان اليهودي والعربي على حد سواء. واضاف " مع مرور السنين حوّل السياسيون (الإسرائيليون) قصيرو النظر، ورجال الدين اليهود، الحرب من حرب للدفاع عن البيت الى حرب من اجل إبقاء السيطرة على بيت الآخرين ".

 ويضيف " صحيح أنه كانت هناك أزمنة لم يكن فيها من نتفاوض معه في الجانب الآخر، حتى حول حدود 1967، ولكن اليوم أصبحت (إسرائيل) هي الطرف الرافض الذي يضيع الفرصة لتحويل الانتصار العسكري الى أكبر انجاز لـ(إسرائيل) منذ اقامتها في ظل مبادرة الدول العربية الاجماعية القائمة على حدود حزيران كأساس للسلام. (إسرائيل) تخسر حرب التحرير بسبب السيطرة على حياة الآخرين "، على حد تعبيره.

حرب بن نكتتين

النكتة الاولى: «آخر من يغادر مطار اللد يطفئ نور الكهرباء»، وقد قيلت قبيل حرب 1967 بدافع الخوف من هجوم عربي حربي يؤدي الى هرب (الإسرائيليين) من (إسرائيل) ذاتها. وقد راجت هذه المقولة في تلك الفترة بشكل ساخر، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في (إسرائيل) والشعور بأن (إسرائيل) باتت في خطر الانهيار، ولم يبق للإسرائيليين سوى أن يشدوا الرحال ويتجهوا نحو مطار اللد مغادرين. والمطلوب فقط أن يفطن آخر من يغادر، أن يطفئ نور الكهرباء. بعد حرب 1967، التي تمكنت فيها (إسرائيل) خلال ستة أيام من احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان السورية، سادت أجواء انتصار في الدولة العبرية تحولت نشوته الى عنجهية وغرور بالغين، اثارا انتقادات داخل (إسرائيل) نفسها.

 وقد انتشرت آنذاك النكتة التالية تعبيرا عن مدى ذلك الغرور: «ضابطان اسرائيليان مصابان بالملل، قال أحدهما للآخر: أنا أقترح لكسر الملل، ان نحتل القاهرة. فأجاب الآخر: نعم، ولكن هذا لا يكفي لكسر الملل. فماذا سنفعل بعد الظهر؟».

"

حرب الايام الستة غيرت ميزان (إسرائيل) الثقافي، "حيث انتصرت الشرقية على اختلاف أنواعها انتصارا كبيرا. فنصف الدولة يفكر ويتنفس على نحو شرقي 

"

حرب بين مطربين

في مذكراته يعرب الجنرال ماتي هود قائد سلاح الجو (الإسرائيلي) أبان حرب العام 1967 عن هول المفاجأة التي صدم بها هو وزملاؤه في هيئة أركان الجيش عندما اكتشفوا أنهم قد بالغوا في الإعداد لهذه الحرب. ويقول إيهود " لقد وضعنا في حساباتنا أن تستمر عملية قصف المطارات المصرية أسبوعاً على الأقل على افتراض أن سلاح الجو (الإسرائيلي) سيلقى مقاومة ما من الدفاعات الجوية المصرية، أو أن تتسبب هجمات الطائرات المصرية المضادة في التشويش على الخطة (الإسرائيلية)، لكن ما حدث هو أن تدمير الجيش المصري بالكامل وطائراته ومطاراته لم يستغرق أكثر من ست ساعات...". لم يبد إيهود ندماً على الاحتياطات التي اتخذتها (إسرائيل) عشية الحرب، ومع ذلك يمكن القول أنه بالغ بالفعل كثيراً في الاستعدادات للحرب، حيث كانت مصر عبد الناصر أبعد ما تكون عن الاستعداد للحرب. ولعل الذي يشير إليه الكاتب المصري صالح مرسي الذي كان شاهد عيان على الحقبة المصرية يدلل على مبالغة إيهود.

 ويشير مرسي أنه في الفترة الممتدة من العام 1961 و1966 تفجر خلال عميق ومتشعب بين جمال عبد الناصر ووزير حربه عبد الحكيم عامر، ومحور هذا الصراع كان الخلاف بين الإثنين على الحق في اختيار " مطرب الثورة ".

وكما يقول مرسي فإن عبد الناصر كان ذا تركيبة نفسية تأبى أن تسلم بوجود من ينافسه على حب الجماهير، ولما كانت  أم كلثوم " قد تربعت على قلوب المصريين كصاحبة  للصوت الساحر ، فإن عبد الناصر أراد أن يحطمها ويرفع للصدارة عبد الحليم حافظ الذي كان في ذلك الوقت مطرباً ناشئاً.

 توجه ناصر هذا أثار حفيظة عبد الحكيم عامر، الذي لم يغفر لعبد الحليم حافظ أن كان السبب في إهانة الجماهير الجزائرية له، حيث تصادف أن قام كل من عامر وعبد الحليم حافظ بزيارتين منفصلتين للجزائر، وقد جن جنون عامر الذي رأى آلاف ، الجزائريين الذين يحملون المطرب الغض على الأعناق، في الوقت الذي لا يعيرون الجنرال الكبير أي اعتبار، من هنا جاء دفاع عامر المستميت عن " أم كلثوم "، وإصراره أن تكون " مطربة الثورة ".

الدكتورة رتيبة الحفني التي تتبعت موقف الحكم الناصري من المطربين في تلك الحقبة أكدت أن الحكومة المصرية أولت هذه القضية اهتماماً بالغاً، حيث تحولت جلسات الحكومة المصرية في كثير من الأحيان إلى مناسبة للانشغال في المقارنة بين " كوكب الشرق " و " العندليب الأسمر".

لكن الباحثة المصرية نادية فؤاد سراج الدين تؤكد أيضاً أن عبد الناصر حاول توظيف المطربين في مغازلة (الإسرائيليين)، فأشاد بالمطربة ليلى مراد ودورها في دعم الثورة، مع العلم أنها يهودية وكانت قد تبرعت بأكثر من خمسين ألف جنيه لصالح الوكالة اليهودية، لكي يؤكد لرئيس وزراء (إسرائيل) في ذلك الوقت دفيد بن غوريون أن الحكم الناصري لا يكن عداءً لليهود.

من هنا يتضح أن جدية (إسرائيل) في الاستعداد لحرب 67 لم تكن في مكانها...!!