المضامين اليهودية لطابع نظام الحكم في (إسرائيل)

بقلم : د. صالح النعامي

    إن الكثير من المفكرين والباحثين (الإسرائيليين) الذين قاموا بتأصيل النظام السياسي (الإسرائيلي) تأصيلاً نظرياً بهدف تكريسه كأحد أنماط الحكم في الأدبيات السياسية الاجتماعية النظرية، زعموا بأنه يمكن لـ(إسرائيل) أن تكون ديموقراطية ويهودية في آن، أي إضفاء شرعية على تمتع الأغلبية اليهودية بحقوق جماعية وأفضلية في كل المجالات. وانبرى عالم الاجتماع السياسي سامي ساموحا لتأصيل ذلك عبر طرح نموذج "الديموقراطية الإثنية"، على اعتبار أنه النموذج الذي ينطبق على النظام السياسي (الإسرائيلي).

ويرى ساموحا أن هذا النموذج يضمن حق تقرير المصير لـ "الشعب اليهودي"، ويعبر عن ثقافته ورموزه وطموحاته، إلا أنه في المقابل لا ينفي وجود أقلية غير يهودية فيها، ويعطيها حقوقاً، ولكن هذه الحقوق لا يمكن أن تكون متساوية، لاسيما فيما يتعلق بحق تقرير المصير. ووفق هذا النموذج فإن (إسرائيل) هي دولة الأكثرية اليهودية، حيث يقر ساموحا بأن (إسرائيل) ليست ديموقراطية ليبرالية ولن تكون كذلك في المستقبل، وبدلاً من أن يتم نقد النظام السياسي (الإسرائيلي)، فإن ساموحا دافع عنه ويؤطره في نموذج جديد.

    ويرى المفكر (الإسرائيلي) بنيامين نوبيرغر أن النظام السياسي (الإسرائيلي) تأثر بالدين بشكل كبير، لدرجة جعلت الديموقراطية (الإسرائيلية) تعاني الكثير من العيوب، على رأسها: غياب دستور ليبرالي، عدم علمنة قوانين الأحوال الشخصية، والتمييز العنصري ضد الأقليات غير اليهودية. ومما لا شك فيه أن العيوب التي أفرزتها العلاقة بين النظام السياسي والدين هي عيوب بنيوية وليست مجرد عيوب ونواقص يمكن التعايش معها والتسليم بها.

    وقد جرت ولا تزال تجري عملية تشريع جدية ومساع قانونية حثيثة لإعطاء معنى ومضمونا قانونيا ليهودية الدولة ولكونها دولة الشعب اليهودي، وتقع في ذروة هذه العملية محاولة صياغة دستور للدولة، ويتم هذا من خلال لجنة الدستور والقانون والقضاء التابعة للكنيست، وذلك تحت شعار "دستور بالوفاق".

"

يرى المفكر (الإسرائيلي) بنيامين نوبيرغر أن النظام السياسي (الإسرائيلي) تأثر بالدين بشكل كبير، لدرجة جعلت الديموقراطية (الإسرائيلية) تعاني الكثير من العيوب

"

واللافت أن هذه المحاولات تجري في ظل تصاعد القوى المتطرفة وضمنها التيارات الدينية وانتشار ثقافة العنصرية التي تشرع التعاطي مع "المواطنين" في (إسرائيل) على خلفية إثنية. واللافت أن المماطلة في سن الدستور جاءت فقط من أجل إضفاء شرعية على قيام (إسرائيل) بالسيطرة على أكبر مساحة من الأراضي العربية، على اعتبار أن سن الدستور يعني تحديد حدود (إسرائيل)، وهذا ما رفضه الصهاينة في الماضي.

    ويرى عدد من الباحثين (الإسرائيليين) أن الطابع اليهودي للدولة ينسف بالضرورة حقوق المواطنة لغير اليهود. ويقول البرفسور دان سوئين، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية بالقدس "يوجد في (إسرائيل) تناقض أساسي بين الطابع اليهودي المعلن للدولة وبين واجب الدولة أيضاً في منح مواطنة كاملة ومتساوية لمواطنيها العرب، وبالتالي فإن (إسرائيل) تمارس نظاماً سلطوياً مجحفاً بحق المواطنين العرب، إذ لا تكفل لهم نفس الحريات والفرص التي تمنحها لمواطنيها اليهود".

    ولا تطبق (إسرائيل) المستوى الجوهري من الديموقراطية، بل تتماثل كدولة مع مجموعة إثنية قومية واحدة (اليهود) وتتبع وسائل كثيرة بهدف الحيلولة دون دمج "مواطنيها" الفلسطينيين كمواطنين متساوين يتمتعون بكافة الامتيازات التي يحصل عليها المواطنون اليهود، حيث تبقي (إسرائيل) على دونية العرب مقابل تفوق اليهود من خلال التمييز ضدهم في دوائر ومناحي مختلفة. وهناك من يرى أن الربط بين الدين والدولة أفقد النظام السياسي (الإسرائيلي) كل القيم الديموقراطية، على اعتبار أن هذا النظام لا يضمن الحرية والمساواة لكافة المواطنين، وهما في الوقت ذاته من الحقوق الطبيعية للإنسان.

    ولا يعترف نظام الحكم في (إسرائيل) بحقوق الأقليات القومية الأخرى، في حين أسهم غياب الدستور في تمكين النخب الحاكمة من الإفلات من الالتزام بقواعد الديموقراطية الملزمة، فمارست هذه النخب الغبن والتمييز ضد الأقلية الفلسطينية، تحت شعار "الديموقراطية يجب أن تدافع عن نفسها"، حيث شكل هذا الشعار مسوغاً لسن المزيد من القوانين العنصرية ضد فلسطينيي48 وتم إضفاء شرعية على ملاحقة قياداتهم السياسية بزعم أنهم يشذون عن "الإجماع" الذي هو في الأساس  إجماع "يهودي".

"

يرى عدد من الباحثين (الإسرائيليين) أن الطابع اليهودي للدولة ينسف بالضرورة حقوق المواطنة لغير اليهود

"

ويتم استبعاد الأحزاب العربية داخل (إسرائيل) من المشاركة في الائتلافات الحاكمة ولا يتم منح ممثليها المشاركة في لجان الكنيست الهامة والحساسة، وتحديداً لجنتي الخارجية والأمن والمالية. ويقدم داني ياهف دليله الدامغ على أن شعار "الديموقراطية يجب أن تدافع عن نفسها" مجرد مسوغ لتحلل النظام السياسي من القيم الديموقراطية، مشيراً إلى أن هذا النظام يسمح للقوى الدينية اليهودية التي ترفض الديموقراطية كنهج وأسلوب عمل وتعمل من أجل بلورة أنماط حياة بديلة بالمشاركة في الائتلافات الحاكمة، ولا يعد استنادها للتوراة مسوغاً لاستثنائها واقصائها في الوقت الذي تسهم فيه القوانين العنصرية التي تسن ضد الأقلية الفلسطينية في تقليص الحيز الديموقراطي الذي تتحرك فيه هذه الأقلية. أي أن نظام الحكم في (إسرائيل) يعزز في الواقع "اليهودية"، ويضعف "الديموقراطية" إلى حد كبير.

وقد تم إدراج مشروع قانون على جدول أعمال الكنيست يهدف إلى أبعاد "المتطرفين" العرب من الكنيست وإتاحة المجال لدخول ممثلين "أكثر اعتدالاً" يقبلون الدولة اليهودية الديموقراطية كما هي في وعي الأغلبية اليهودية وممثليها، لكن لم يتم التصويت على المشروع في أعقاب مخاوف من تدخل المحكمة العليا. وعلى الصعيد البنيوي يتم استبعاد غير اليهود من المؤسسات (الإسرائيلية) التي تعتبر حكراً لليهود.