عملية

عثمان.. "ضغطة زر" حرمته اللحاق بالشهداء

الرسالة نت – أحمد الكومي

ضغطة زر واحدة كانت فاصلاً بينه وبين اللحاق بركب الشهداء، ويصبح ثاني استشهادي فلسطيني لحركة المقاومة الإسلامية حماس، الاستشهادي "صلاح عثمان" ابتلاه الله تعالى في دنياه ليعوّضه خيراً في آخرته.

ففي مطلع شهر يوليو (تموز) من عام 1993م، تمكن مجاهدو كتائب القسام من تنفيذ أول عملية أسر جماعي للصهاينة كان هدفها الإفراج عن الأسرى في سجون العدو.

سببت هذه العملية _احتجاز رهائن داخل حافلة ركاب في منطقة التلة الفرنسية بمدينة القدس المحتلة_ حالة من الإرباك في صفوف الإسرائيليين، وجعلت رئيس حكومة العدو آنذاك "رابين" يعترف بأنهم أصبحوا يمرون بمرحلة خطيرة وما عادوا في مأمن من ضربات كتائب القسام.

الاستشهاديون ماهر أبو سرور، محمد الهندي، والشهيد الحي صلاح عثمان، كانوا أبطال هذه العملية التي أسفرت عن مقتل وجرح العديد من الصهاينة؛ لكن عثمان كتبت له الحياة، واعتقدوا أنه ما هي إلا أيام ويموت طريح الفراش، ولا يدرون أن الله قادر على بعثه للحياة من جديد ليتزوج، وينجب الأولاد.

في جمعية "السلامة" للمعاقين في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، التقت "الرسالة نت" بالشهيد الحي "صلاح عثمان" لتعيش معه مغامراته الجهادية، رغم إعاقته الحركية بعد مرور ثمانية عشر عاماً على تنفيذ العملية.

تفاصيل العملية

ولد الشهيد الحي عثمان في معسكر جباليا للاجئين بتاريخ 1/8/1971 ، وأنهى تعليمه الأساسي والثانوي فيه، ليلتحق بالجهاز العسكري لحركة حماس على يد القائد القسامي عماد عقل الذي نظّمه في المعسكر ليتم إعداده لحياة جهادية صعبة.

يتذكر عثمان لحظة خروجهم لتنفيذ العملية، التي استهدفت اختطاف الحافلة رقم "25" المخصصة لنقل 100 موظف حكومي، والتوجه بها من القدس إلى جنوب لبنان.

 ويقول: "كان موعد العملية الساعة السابعة صباحا فخرجنا مع غروب الشمس ووصلنا إلى القدس الغربية الساعة 10 مساء، ودخلنا الشقة التي سننتظر فيها حتى الصباح، وهناك صلينا الفجر واغتسلنا غسل الشهادة، وصلينا سنة الشهادة ولبسنا ملابسنا التي جهزت مسبقاً وحملت أنا حقيبة  المتفجرات وخمس قنابل يدوية وعبوة ناسفة كبيرة ومسدسا ونفس الكمية التي احملها يحملها محمد الهندي وماهر أبو سرور".

وتابع عثمان: "انتقلنا بعد ذلك إلى موقف الحافلات وكنا نقف بين مجموعة من الصهاينة الذين ينتظرون الحافلة، وكان بإمكاننا أن نفجر أنفسنا، لكن الخطة المرسومة كانت غير ذلك، وعندما جاء باص رقم 25 صعدت إليه، وجلست بجانب الباب الأخير فيه".

وأردف قائلا: "أما ماهر فجلس عند الباب الأمامي ومحمد جلس في منتصف الباص ثم نهض ماهر وأشهر سلاحه وهي "ام 16" وبدأ يطلق النار في الحافلة، وقال باللغة العبرية "الحافلة مختطفة"، وبعد ذلك بدأ إطلاق النار ثم تعّمد السائق الاصطدام بجزيرة في الشارع، فسقطت بعد إصابتي فاقداً للوعي".

ولم يعرف الشهيد الحي ما حصل وقتها.. لكنه أخبر بعد ذلك أن الشهيدين ماهر أبو سرور ومحمد الهندي قفزا من الحافلة، وفور نزولهما سارعا إلى إيقاف سيارة صهيونية تقودها مجندة، وركبا  داخل السيارة وانطلقا صوب مدينة بيت لحم وبدأت عملية المطاردة الشرسة وانطلقت عشرات المركبات العسكرية الصهيونية  تلاحق المجاهدين، بدعم جوي من طائرة مروحية.

وجراء إطلاق النار الكثيف من المروحيات وجنود العدو المتمركزين على الحاجز القريب من مدينة بيت لحم، انفجرت القنابل التي كانت بحوزة المجاهدين ما أدى إلى انفجارها واستشهادهما، أما مجاهدنا صلاح عثمان فقد أرسلته قوات الاحتلال إلى قطاع غزة بعد أن وجدت أن حالته الصحية حرجة للغاية لكي يلفظ أنفاسه الأخيرة هناك، لكن الله قدّر غير ذلك.

والجدير ذكره؛ أن الشهيد الحي عثمان نجا أثناء العدوان الأخير على قطاع غزة نهاية عام 2008م من قصف صهيوني استهدف مسجد الشهيد إبراهيم المقادمة وأصيب بجروح في رأسه.

بعد 18 عاماً

وبعد مرور 18 عاماً على تنفيذ العملية، ورغم إعاقته، يأبى عثمان أن يُظهر عجزاً، على عكس كثير ممن يرضخون لابتلاء ألمّ بهم، بل إنه يصرّ على إعادة تجربة عام 1993، ويقول والأمل يحدوه: "لو قّدر الله لي أن أنهض عن الكرسي المتحرك، فسأكرر –بإذن الله- عمليتي الاستشهادية".

ويضيف بثقة الرجال: "كم وددت لو أفجّر نفسي بأجساد الصهاينة من جديد، فمن يسعى إلى الخلود ليس له إلا طريق واحد، هو الاستشهاد".

وتابع: "الطريق إلى فلسطين والأقصى لا تمر عبر أوسلو ولا واشنطن ولا طاولة المفاوضات المستديرة؛ إنما تكون بالجهاد والمقاومة والجثث والدماء".

ويعد سنوات عديدة مرت على العملية الاستشهادية، التي لم يكتب لها النجاح بالشكل المخطط لها، إلا أن الشهيد الحي عثمان يعتقد أن نتائج العملية كانت خيراً، وقال: "نتائج العملية، كانت فاتحة خير على المبعدين في مرج الزهور، خاصة أنه كان مقرراً عودتهم بعد عام من تنفيذ العملية، لكن الله شاء أن يرجعوا ويخوضوا من جديد سلسلة عمليات استشهادية أرهقت جسد الكيان الصهيوني".

واسترسل قائلا: "نتائج العمليات الاستشهادية نتائج آنية، وأنصح المقاومة الفلسطينية بتكرارها بما يتناسب مع الظروف والإمكانات المحيطة"، مستدركاً: "نحن نثق بقيادة المقاومة الرشيدة، وهي من تقرر المكان والزمان المناسبين".

وعن تقييمه لأداء المقاومة في قطاع غزة وكيفية إدارتها لدفة الصراع مع العدو الصهيوني، اكتفى الاستشهادي صلاح عثمان بالقول: "الإعداد مقاومة، وهو أهم من العمليات الاستشهادية في الوقت الحالي على صعيد قطاع غزة".

ودعا عثمان المقاومة إلى إشعال فتيل العمليات الاستشهادية بالضفة المحتلة، من أجل إسقاط أكبر عدد من القتلى في صفوف الصهاينة وإيذاء دولة الكيان، مستطرداً: "أنصح بإعطاء الضوء الأخضر للاستشهاديين بالضفة، كونها منطقة إستراتيجية وهامة لدى العدو".

دعوات الاستشهادي عثمان للمقاومة بتكرار العمليات الاستشهادية قد لا تمر مرور الكرام على أجهزة المخابرات الصهيونية التي لاقت الويلات من نتائجها، فقد أبدت مصادر أمنية إسرائيلية حديثاً قلقا مما أسمته بخطر العودة إلى العمليات الاستشهادية داخل الكيان أو في المستوطنات.

وفي قراءة سريعة لبحث علمي عن شخصية "الاستشهاديين" الفلسطينيين للدكتور بسام بنات في العام الماضي 2010، فقد رأي البحث في العمليات الاستشهادية ظاهرة اجتماعية جديدة انتشرت في المجتمع الفلسطيني بمختلف فئاته وطبقاته الاجتماعية، وأثارت ردود فعل عارمة محلية وعالمية، وشكّلت نقطة تحول في تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، فمن النادر العثور على مثيل لها بهذا العدد من الاستشهاديين في أي مكان، حتى باتت نموذجاً يحتذى به من قبل حركات التحرر في العالم.

والعنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين لا يولد إلا عنفاً، ويشكل حافزاً أكبر للانتقام، وعليه تبقى إستراتيجية المقاومة ذات عنوان ثابت هو "طالما هناك احتلال هناك مقاومة" وأول خياراتها العمليات الاستشهادية.. وهو ما شدد عليه الشهيد الحي صلاح عثمان الذي أوصى المقاومة بأن تضع الاستشهادين خياراً استراتيجياً ضمن خططها المستقبلة لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني.