لا تتطلب حماية الصحة دائمًا ممارسة تمارين رياضية شاقة أو تخصيص ساعات للذهاب إلى صالات اللياقة البدنية، إذ يمكن لحركات يومية بسيطة، مثل تحريك الساقين أثناء الجلوس أو صعود الدرج أو المشي خلال المكالمات الهاتفية، أن تسهم في تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والحد من احتمالات الوفاة المبكرة.
ويُعرف هذا النوع من الحركة باسم «النشاط البدني العرضي»، ويشمل مختلف الأنشطة والحركات التي يؤديها الإنسان خلال يومه خارج أوقات النوم وتناول الطعام وممارسة التمارين الرياضية المقصودة، مثل الأعمال المنزلية والتنقل وصعود السلالم وحتى تغيير وضعية الجلوس.
وتبرز أهمية هذا النشاط في ظل أنماط الحياة الحديثة التي تدفع كثيرين إلى قضاء ساعات طويلة في وضعية الجلوس، سواء خلال العمل أو القيادة أو مشاهدة التلفاز، دون إدراك حجم الوقت الذي يمر دون حركة.
وتشير دراسات إلى أن الخمول البدني يرتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض صحية خطيرة، ما يجعل إدخال حركات بسيطة ومتقطعة في الروتين اليومي وسيلة عملية لتقليل فترات الجلوس وتحسين الصحة العامة.
ويقول أنانثا نارايانان، الباحث في جامعة أوكلاند للتكنولوجيا بنيوزيلندا، إن النشاط البدني العرضي يشمل الطاقة التي يستهلكها الجسم في الحركات التي لا تندرج ضمن التمارين الرياضية المتعمدة، بما فيها تحريك الساقين وتدوير الكتفين وثني القدمين وتغيير وضعية الجسم.
التململ الحركي.. حركة صغيرة بفوائد صحية
ومن بين أشكال النشاط البدني العرضي، يأتي التململ الحركي، مثل تحريك الساقين باستمرار أثناء الجلوس، وهي عادة يُنظر إليها أحيانًا باعتبارها علامة على الملل أو ضعف التركيز، رغم ما قد تحمله من فوائد صحية.
ويوضح نارايانان أن عضلات الساقين تصبح قليلة النشاط خلال فترات الجلوس الطويلة، ما يقلل الانقباضات العضلية التي تساعد على إزالة الغلوكوز من مجرى الدم ودعم الدورة الدموية.
وتشير دراسات إلى أن تحريك الساقين بصورة متكررة يزيد نشاط العضلات واستهلاك الطاقة مقارنة بالجلوس دون حركة، كما قد يساعد في الحفاظ على وظائف الأوعية الدموية وتحسين ضبط مستويات السكر في الدم.
وأظهرت إحدى الدراسات الصغيرة أن التململ الحركي للساقين يمكن أن يرفع استهلاك الطاقة بنحو 16% مقارنة بالجلوس في وضع ثابت.
أربع دقائق من الحركة قد تصنع فارقًا
ولا يشترط الاستفادة من النشاط البدني العرضي ممارسة الحركة لساعات طويلة، إذ خلصت دراسة واسعة النطاق أُجريت عام 2024، وشملت أكثر من 22 ألف مشارك بريطاني لا يمارسون الرياضة بانتظام، إلى أن دفعات قصيرة ومتقطعة من النشاط البدني، لا تتجاوز مدة كل منها دقيقة واحدة، وبإجمالي أربع دقائق يوميًا، قد تساعد في تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية المرتبطة بالخمول.
واعتمدت الدراسة على بيانات أجهزة تتبع الحركة التي ارتداها المشاركون لرصد مستويات نشاطهم اليومي، واستمرت متابعتهم ثماني سنوات، وأظهرت النتائج أن ارتفاع مستويات النشاط العرضي قد يعوض جانبًا من المخاطر المرتبطة بالجلوس لأكثر من 11 ساعة يوميًا.
كما ربطت أبحاث المتابعة بين زيادة الحركة العرضية وانخفاض خطر الوفاة المبكرة.
ويشير نيكولاس كويميل، الباحث الرئيسي في جامعة موناش الأسترالية والمشرف على الدراسة، إلى أن الأنشطة اليومية توفر فرصًا عديدة لزيادة الحركة، من بينها صعود السلالم وحمل أكياس التسوق واللعب مع الأطفال.
ويمكن تعزيز هذه الفوائد من خلال المشي بوتيرة أسرع من المعتاد، أو إيقاف السيارة في مكان أبعد قليلًا عن الوجهة، أو حمل سلة المشتريات بدلًا من استخدام عربة التسوق، بما يضيف حركة ونشاطًا عضليًا إلى المهام اليومية المعتادة.
كيف تدمج الحركة في روتينك اليومي؟
وتتمثل إحدى الطرق العملية لزيادة النشاط البدني في ربط الحركة بالعادات اليومية القائمة، بدلًا من محاولة تخصيص وقت إضافي لممارسة الرياضة.
وتوضح أماندا دالي، أستاذة الطب السلوكي في جامعة لوبورو البريطانية، أن إضافة حركات بسيطة إلى الأنشطة المعتادة تجعل زيادة النشاط البدني أكثر سهولة واستمرارية.
ومن أمثلة ذلك الوقوف على أطراف أصابع القدم أثناء تنظيف الأسنان، أو رفع الساقين أسفل المكتب، أو المشي أثناء إجراء المكالمات الهاتفية بدلًا من الجلوس، فضلًا عن اختيار السلالم بدلًا من المصعد كلما أمكن.
وتشير دالي إلى أن توفير مكاتب تسمح بالعمل وقوفًا في إحدى الدراسات التي أُجريت على أطباء أسهم في تقليص الوقت الذي يقضونه في الجلوس بنحو ساعتين يوميًا، كما شجعهم ذلك على مناقشة فوائد الحد من الخمول مع مرضاهم.
وتؤكد أن النشاط البدني العرضي يمثل وسيلة عملية لاستثمار أوقات اليوم في الحركة، دون الحاجة إلى تخصيص فترات طويلة أو الالتزام ببرامج رياضية قد تبدو صعبة للبعض.
وتخلص هذه الممارسات إلى أن الحفاظ على النشاط البدني لا يبدأ بالضرورة من صالة الرياضة، بل من تفاصيل صغيرة تتكرر خلال اليوم؛ فالحركة أثناء الاجتماعات، والمشي خلال المكالمات، والقيام من المكتب بين الحين والآخر، كلها خطوات يمكن أن تساعد في تقليل الخمول وتعزيز الصحة على المدى الطويل.