الخليل .. التطهير العرقي والإبادة الخليل .. التطهير العرقي والإبادة

حصار الخليل يشرّد آلاف الفلسطينيين ويكبّد اقتصادها خسائر فادحة

الرسالة نت - متابعة

دخل الحصار الإسرائيلي المفروض على مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية يومه السابع، وسط تصاعد تداعياته الإنسانية والاقتصادية، مع نزوح نحو 5 آلاف فلسطيني من منازلهم، وإغلاق 10 مداخل رئيسية للمدينة، وتراجع الحركة التجارية بنسبة 80%، وفق بيانات بلدية الخليل ومؤسسات رسمية وحقوقية.

وتكشف البيانات الميدانية عن اتساع نطاق العملية العسكرية الإسرائيلية، التي تتجاوز المداهمات والاعتقالات إلى هدم منشآت سكنية وتجارية وتجريف أراضٍ، بالتزامن مع تحويل منازل إلى ثكنات عسكرية وإجبار عائلات على مغادرتها.

نحو 5 آلاف نازح ومئات من الفئات الهشة

وبحسب بيانات بلدية الخليل، بلغ عدد النازحين 4969 فلسطينيًا من 780 أسرة، بمتوسط 6.4 أفراد للأسرة الواحدة، أي ما يقارب 2% من سكان المدينة البالغ عددهم نحو 250 ألف نسمة.

ويقترب العدد من ضعف الحصيلة التي أُعلنت في اليوم الرابع من العملية، حين قُدّر عدد النازحين بنحو 2600 شخص، ما يعكس اتساع موجة النزوح مع استمرار الحصار والعمليات العسكرية.

وتضم قوائم النازحين مئات الأشخاص من الفئات الأكثر هشاشة، بينهم 441 من كبار السن، و336 رضيعًا دون العامين، و312 مريضًا بأمراض مزمنة، و216 امرأة حاملًا أو مرضعة، إضافة إلى 44 شخصًا من ذوي الإعاقة.

وتواجه الأسر النازحة ظروفًا معيشية صعبة؛ إذ تقيم 283 أسرة لدى أقاربها، فيما توجد 266 أسرة في أماكن غير آمنة، مقابل 23 أسرة فقط تمكنت من السكن في منازل مستأجرة، وفق البيانات الواردة.

وتشير البلدية إلى أن المنطقة المستهدفة بالتهجير تمتد على نحو 350 دونمًا، ويقطنها قرابة 500 عائلة، يزيد عدد أفرادها على 2500 نسمة، ما يثير مخاوف من استمرار النزوح واتساع نطاقه مع إطالة أمد العملية.

10 مداخل مغلقة تخنق المدينة

وتطوّق قوات الاحتلال الخليل عبر إغلاق 10 مداخل رئيسية، في إجراء يقيّد حركة السكان ويعرقل وصولهم إلى أماكن العمل والخدمات الأساسية، ويحد من حركة البضائع والشاحنات.

وتشمل المداخل المغلقة حلحول والنبي يونس ورأس الجورة شمالًا، وبيت عينون شمال شرق، وبئر المحجر شمال غرب، وجبل جوهر شرقًا، والفحص جنوب شرق، وقلقس جنوبًا، والحرايق ودورا جنوب غرب.

وتبعد هذه المداخل بين 2.4 و7.6 كيلومترات عن مركز المدينة، فيما تقع منطقة العمليات العسكرية المغلقة على بعد نحو كيلومترين غرب المركز، وتغطي مساحة موثقة لا تقل عن 288 دونمًا.

ويؤدي إغلاق الطرق والمداخل إلى عزل أحياء ومناطق سكنية عن محيطها، ويضاعف صعوبات تنقل السكان، خصوصًا المرضى وكبار السن، إلى جانب تعطيل الأنشطة التجارية والإنتاجية.

هدم وتجريف واعتقالات واسعة

وفي منطقة فرش الهوى، عند المدخل الغربي للخليل، هدمت قوات الاحتلال عمارة سكنية تضم ثلاث شقق، واستهدفت شركة للبلاط والسيراميك ومحال لقطع السيارات، كما جرّفت نحو 7 دونمات، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

ووثقت الهيئة إخلاء عائلات من منطقتي الجلدة وعين دير بحة، إلى جانب تحويل منازل إلى ثكنات عسكرية ورفع الأعلام الإسرائيلية عليها.

وفي سياق الاعتقالات، أفاد نادي الأسير الفلسطيني بأن قوات الاحتلال اعتقلت 110 فلسطينيين منذ بدء العملية العسكرية، بينهم فتاتان، لا تزال إحداهما رهن الاعتقال، فضلًا عن إخضاع مئات المواطنين للتحقيق الميداني.

وفي المقابل، ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن جيش الاحتلال فتّش أكثر من 500 موقع في المدينة، بمشاركة لواء المظليين، بما في ذلك الكتيبة 202، ووحدة «ماجلان».

وتأتي هذه الإجراءات في ظل سجل متواصل من الاعتداءات في المحافظة؛ إذ وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، خلال سبتمبر/أيلول الماضي، 272 اعتداءً في الخليل، بينها 122 اعتداءً نفذها مستوطنون، إضافة إلى 19 عملية هدم طالت 91 منشأة، لتتصدر المحافظة محافظات الضفة الغربية في عدد المنشآت المهدومة خلال الشهر المذكور.

جدل حول رواية الاحتلال بشأن «الحفرة»

وفي سياق العملية، أعلن جيش الاحتلال العثور على ما وصفه بأنه «حفرة تحت أرضية» قرب منزل أحد منفذي الهجوم الذي سبق بدء الحصار، وقال إن عمقها يبلغ نحو 15 مترًا وعرضها 75 سنتيمترًا، وإنه عثر بداخلها على جهاز إلكتروني.

لكن صاحب المنزل نفى الرواية الإسرائيلية، وقال لوكالة «قدس برس» إن الحفرة بئر امتصاصية للصرف الصحي، نظرًا إلى عدم توفر شبكة صرف في المنطقة، مؤكدًا أن المنزل لا يعود لأي من منفذي الهجوم، وأنه يبعد أكثر من 100 متر عن منزليهما.

ويضع هذا التباين رواية الاحتلال بشأن طبيعة الحفرة موضع خلاف، في ظل استمرار العملية العسكرية وما يصاحبها من عمليات تفتيش ومداهمات وإخلاء للسكان.

خسائر يومية بملايين الشواكل

ولم تقتصر تداعيات الحصار على الجانب الإنساني، بل امتدت إلى النشاط الاقتصادي في المدينة ومحافظتها، حيث تراجعت الحركة التجارية بنسبة 80% داخل الخليل، وبنسبة 70% في عموم المحافظة، وفق تقديرات اقتصادية أوردتها المادة المصدرية.

وقدّر نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة الخليل، عدنان النتشة، خسائر القطاعات التجارية بنحو 12 مليون شيكل يوميًا، مشيرًا إلى تراجع الطاقة الإنتاجية للمصانع بنسب تتراوح بين 40% و60%، وتوقف حركة الشاحنات التجارية دخولًا وخروجًا.

كما تجاوزت خسائر المحال والمصانع التي دُمرت في منطقة فرش الهوى مليوني شيكل، ما يزيد الأعباء على أصحاب المنشآت والعاملين فيها، ويهدد مصادر رزق عائلات تعتمد على النشاط التجاري والصناعي في المدينة.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن استمرار الإغلاق لا يعطل حركة البيع والشراء فحسب، بل ينعكس على سلاسل التوريد والإنتاج والتوزيع، ويضعف قدرة المنشآت على مواصلة العمل، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات المعيشية للأسر النازحة.

عملية عسكرية في ظل التجاذبات السياسية

وبدأت العملية العسكرية الإسرائيلية يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، عقب هجوم قُتل فيه جنديان إسرائيليان وأصيب ثلاثة آخرون، قبل مقتل منفذي الهجوم، وذلك قبل أيام قليلة من انتخابات الكنيست التي جرت الثلاثاء.

ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية محمد هلسة أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو سعى إلى توظيف العملية انتخابيًا، عبر تقديم نفسه بوصفه القادر على فرض الأمن، مشيرًا إلى أنه سارع إلى موقع الهجوم ولوّح بهدم المنازل وإخلاء السكان.

أما الخبير عادل شديد، فيعتبر أن ما يجري لا يقتصر على الرد على الهجوم، بل يرتبط، وفق تقديره، بتنفيذ خطة أوسع لحسم الصراع.

وفي السياق ذاته، كشفت تقارير صحفية إسرائيلية عن خلاف داخل المؤسسة الأمنية بشأن استمرار العملية؛ إذ يدفع نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس نحو مواصلتها لتحقيق أهداف وصفاها بالردعية، بينما يرى رئيس الأركان ضرورة إنهائها، في ظل ما أوردته التقارير عن محدودية النتائج العملياتية والصعوبات القانونية المرتبطة بإبعاد السكان الفلسطينيين عن منازلهم لفترات طويلة.

واستحضرت التقارير عملية مخيم قلنديا التي نُفذت في أغسطس/آب الماضي وانتهت بعد يومين، دون نتائج عملياتية كبيرة وفق التقييمات الواردة.

هل يرتبط مصير الحصار بنتائج الانتخابات؟

وتزامن الحصار مع انتخابات الكنيست التي لم تمنح أيًا من المعسكرين أغلبية برلمانية واضحة، إذ أظهرت النتائج المرحلية، بعد فرز 88.6% من الأصوات، حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصدت القائمتان العربيتان 19 مقعدًا.

وتضع هذه النتائج القوى السياسية أمام مفاوضات معقدة لتشكيل الحكومة، في وقت تستمر فيه العملية العسكرية في الخليل وسط خلافات بشأن أهدافها ومدتها وتداعياتها.

وبينما يربط محللون استمرار العملية بالحسابات السياسية والانتخابية، فإن الجزم بأن مصير الحصار مرهون بنتائج الانتخابات وحدها يتطلب أدلة إضافية؛ إذ تتداخل في تحديد مساره الاعتبارات العسكرية والسياسية والقانونية.

لكن المعطيات الميدانية تُظهر أن الكلفة المباشرة للعملية يتحملها سكان الخليل، من خلال النزوح وإغلاق الطرق وتضرر المنشآت وتراجع مصادر الدخل، في وقت لا تزال فيه نهاية الحصار غير واضحة.

 

بث مباشر