لم تكن الطفلة سيلا تعرف أن القصف الذي دمّر بيت عائلتها سيتركها وحيدة في العالم، ولا أن رجلًا وزوجته انتظرا 17 عامًا ليصبحا والدين، سيحتضنانها يومًا ويمنحانها اسمًا وبيتًا وعائلة جديدة.
في ليلة من ليالي الإبادة خرجت الرضيعة سيلا من تحت أنقاض منزل عائلتها. كانت في شهرها الثاني تقريبًا حين نجت من القصف الذي استشهد فيه جميع أفراد أسرتها. لم يكن هناك قريب معروف ينتظرها، ولا أم تمتد ذراعاها لاحتضانها، ولا أب يحملها إلى البيت. كانت الناجية الوحيدة من عائلة لم يبقَ منها أحد.
وفي المقابل كان صالح رضوان وزوجته حنان قد أمضيا 17 عامًا في انتظار طفل. طرقا أبواب العلاج، وخاضا محاولات طويلة للإنجاب، حتى سافرا إلى مصر بحثًا عن فرصة أخيرة، لكنهما عادا إلى غزة من دون أن يتحقق حلمهما.
لم يكن صالح يعرف أن الطفلة التي ستصبح ابنته لم تأتِ من الطريق الذي انتظره طويلًا، بل من طريق آخر شقّه الموت في حياة عائلة فلسطينية.
في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وصلت سيلا إلى بيت الزوجين، محمولة بين ذراعي موظفة من وزارة التنمية الاجتماعية. استقبلها صالح وحنان كما يستقبل المرء فرحة ظن أنه لن يعرفها أبدًا. احتضناها، وأطلقا عليها اسم سيلا، الاسم الذي كان صالح قد اختاره لابنته التي طالما حلم بها.
هكذا وجدت طفلة فقدت عائلتها بيتًا جديدًا، ووجد زوجان أنهكهما الانتظار ابنة لم ينجباها، لكنهما أحباها كما لو أنها جاءت من صلبهما.
«هي حياتي»، يقول صالح عن سيلا، بنبرة لا تخفي ما أحدثته الطفلة في أيامه.
لم تكن الكلمة مجرد تعبير عن حب أب لابنته؛ فصالح يعاني أمراضًا مزمنة، منها السكري وارتفاع ضغط الدم ومشكلات في الغضروف، كما أصابته جلطة خلّفت لديه شللًا نصفيًا، وأصبح يستعين بعكازين ويتناول أدوية متعددة.
وسط هذه المتاعب، جاءت سيلا لتملأ مساحة ظلت فارغة في بيته سنوات طويلة.
وعندما نطقت سيلا كلمة «بابا» للمرة الأولى، شعر صالح بأن شيئًا كبيرًا اكتمل في حياته. قال إن هذه الكلمة عنده أغلى من الدنيا وما فيها، وإن وصول سيلا أعاد إليه الإحساس بالاستقرار.
أما حنان، التي لم تستسلم لليأس رغم سنوات الانتظار، فوجدت في الطفلة ابنة تتعلق بها ولا تكاد تقبل الابتعاد عنها. لم تعد الأمومة بالنسبة إليها حلمًا مؤجلًا، بل طفلة تتحرك في البيت، وتحتاج إلى رعايتها، وتمنحها في المقابل ما انتظرته طويلًا.
غير أن الفرح الذي دخل بيت صالح وحنان يحمل في داخله مأساة لا يمكن تجاهلها. فلكي تصبح سيلا ابنتهما، كان عليها أولًا أن تفقد أمها وأباها وعائلتها كلها. ولكي يبدأ الزوجان فصلًا جديدًا من حياتهما، كان لا بد أن تنجو رضيعة من فصل بالغ القسوة من فصول الإبادة في غزة.
وسيلا ليست مجرد طفلة يتيمة وجدت من يكفلها. إنها واحدة من الأطفال الذين أبادت الحرب عائلاتهم بالكامل، فبقوا أحياء بلا أقارب معروفين، يحملون وحدهم نتيجة جريمة لم يختاروها، ولا يستطيعون فهمها.
وبحسب آخر احصائات الإبادة بلغ عدد الأطفال الناجين الوحيدين، الذين فقدوا جميع أفراد عائلاتهم، 434 طفلًا وفق إحصاءات وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية. ومن بين هؤلاء سيلا وأطفال آخرون وجد بعضهم أسرًا تحتضنهم، بينما لا يزال آخرون ينتظرون.
لا يستطيع الحب أن يعيد الموتى، ولا تستطيع الكفالة أن تمحو الفقد. لكنها تستطيع أن تمنح طفلًا حيًا ما يستحقه: بيتًا آمنًا، ويدًا تمتد إليه، وشخصًا يجيبه حين يناديه: بابا .