☰
✕

قائمة الموقع

مقال: هندسة الخوف: كيف يحاول الاحتلال إعادة صياغة غزة بعد أن عجز عن كسرها

2026-10-26T08:09:00+02:00
ميسرة بحر

وأنت تتجول في شوارع غزة يمرّ بك بائع يضع لافتة كُتب عليها: «لا نقبل الكاش»، وتستيقظ صباحًا وتذهب لشراء الخبز كعادتك، فتُفاجأ بأزمة خانقة وتجد طوابير أمام المخابز، مواقف تبدو عابرة، لكنها تختصر حكاية أكبر بكثير من سوق وبضاعة.

فالمعركة في غزة لم تعد تُخاض بالطائرات وحدها، إذ يحاول الاحتلال أن يتحكم بكل شيء: الجغرافيا والاقتصاد والإعلام والمزاج العام للناس، في محاولة بائسة لإعادة هندسة المجتمع في غزة وجعله حبيس الخوف من عودة المجاعة أو النزوح أو الاستهداف.

وتقوم هذه المحاولة على ست أدوات متكاملة:

أولًا: الجغرافيا و«الخط الأصفر»

يحاول الاحتلال أن يرسم للناس أين يقفون وأين يتحركون، من خلال فرض ما يُسمّى بالخط الأصفر وتوسيعه بشكل مستمر، فقد كان الخط يقتطع 53% من مساحة القطاع عند توقيع الاتفاق في أكتوبر 2025م، لكن نسبة السيطرة ارتفعت اليوم إلى ما يزيد على 65%، ويستمر تضييق الخناق على الناس في مساحة أضيق.

ثانيًا: التحكم في المعابر

يستغل الاحتلال سيطرته على المعابر للتحكم في السلع التي تدخل القطاع، فيسمح بدخول سلع معينة ويمنع أخرى، وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، لا تتجاوز نسبة ما يدخل القطاع 34% من عدد الشاحنات المتفق على إدخالها وفق اتفاق أكتوبر 2025م، إذ نص الاتفاق على إدخال 600 شاحنة يوميًا.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يزداد خطورة عندما نرصد السلع المسموح بدخولها؛ إذ يتعمد الاحتلال إدخال كميات كبيرة من الكماليات على حساب الأساسيات، فلو دخلت اليوم أي متجر في غزة لوجدت الشوكولاتة متكدسة على الرفوف، بينما رفوف الخضار والدواجن فارغة.

ثالثًا: سحب السيولة وفرض الدفع الإلكتروني

يستخدم الاحتلال المعابر أيضًا لفرض واقع اقتصادي جديد، ومن أبرز سياساته سحب السيولة النقدية وفرض التعامل بالدفع الإلكتروني، فمنذ أكتوبر 2023 تمنع "إسرائيل" دخول العملة الورقية الجديدة إلى القطاع، بينما تسحب الأوراق النقدية الموجودة في السوق، ثم انتقلت مؤخرًا إلى عدم قبول ثمن البضاعة من التجار نقدًا، في سياسة ممنهجة لدفع القطاع إلى الاعتماد على الدفع الإلكتروني بالكامل.

والمشكلة ليست في الدفع الإلكتروني ذاته، بل في أن يُفرض فرضًا على بنية هشة، فعطل واحد في إحدى المنصات قد يؤدي إلى شلّ التسوق والنقل في القطاع، وفي أن تتحول حركة المال إلى حركة مرصودة، وهذا ما حذّر منه اقتصاديون: أن يعرف الاحتلال كيف يُنفق الناس أموالهم وأين، وأن يملك لحظة الإغلاق، أي التحكم في حركة النقد بصورة خبيثة.

رابعًا: تقسيم المجتمع إلى طبقتين

يسعى الاحتلال إلى تحويل القطاع إلى طبقتين: طبقة محدودة العدد تتركز في يدها الأموال والمنافذ فتتحكم في اقتصاد غزة، وطبقة واسعة تُدفع إلى خانة الفقر بدرجات متفاوتة.

حين يتركز المال بيد عدد محدود من التجار الذين تسمح لهم إسرائيل بإدخال البضائع، يصبح من السهل التحكم بالاقتصاد من خلال فرض السياسات من خلال هؤلاء التجار.

خامسًا: المنظومة الإعلامية والمنسق

يوظف الاحتلال منظومة إعلامية ضخمة لخدمة أهدافه، من صفحات تتبع الجيش الإسرائيلي بصورة مباشرة وتخاطب الناس بالعربية، إلى محاولات منظمة لبث الإشاعات والأكاذيب، وصولًا إلى دور «المنسق» الذي يطلّ على الناس ليرسم لهم الواقع كما يريده هو، والغاية زرع الشك وإرباك الصف الداخلي.

سادسًا: القصف والخوف

لم يعد القصف وسيلة قتل فقط، بل أداة تأثير على المواطنين؛ فقد أعلن المكتب الإعلامي الحكومي أن 96% من الشهداء استُهدفوا بعيدًا عن الخط الأصفر، داخل الأحياء السكنية، فالرسالة أنه لا يوجد مكان آمن، والهدف أن يبقى الخوف من المجاعة أو النزوح أو القتل هاجسًا يسيطر على تفكير المواطن.

كيف نواجه؟

أمام هذه الأدوات الخبيثة، علينا أن نسخّر كل ما نملك لمواجهتها:

أولًا: رفع الوعي الجماعي، أن نكشف خطوات الاحتلال وأهدافها في التأثير على المواطنين، وأن نحثّ الناس على عدم الاستجابة لسياساته، وأن نعرّف الناس بالصفحات التابعة للجيش "الإسرائيلي" ونحذّرهم منها، وأن نعوّد أنفسنا على التثبت من مصدر أي خبر قبل نشره؛ فكل إشاعة تُعاد مشاركتها تعمل لحساب من أطلقها.

ثانيًا: تعزيز التكاتف والتلاحم المجتمعي بحملات تعزز روح التعاون داخل المجتمع في غزة؛ فالمجتمع المتماسك عصيّ على التقسيم، ويكون ذلك من خلال مبادرات تكافل تسند الأسر الأشد احتياجًا، وتخفف أثر الغلاء وأزمة السيولة عنها، وتكسر منطق «من يملك يتحكم».

ثالثًا: إبراز النماذج المشرفة من أبناء شعبنا الذين قدموا التضحيات وقاموا بمبادرات لإسناد أهل غزة، وتقديمهم قدوات للناس؛ فالقدوة تبثّ الأمل.

رابعًا: محاسبة كل من يتساوق مع الاحتلال في التضييق على المواطنين في غزة.

خامسًا: تكثيف الجهود السياسية والإعلامية لتحريك الضمائر الحية في دول العالم للضغط على حكوماتها، لعزل إسرائيل وفضح جرائمها.

إن الاحتلال لم ينجح في كسر غزة بالنار، فلجأ إلى محاولة هندستها بالمعابر والمال والخوف، ومن يعي ما يُخطَّط له ويحافظ على وحدته يُفشل المشروع مهما تعددت أدواته.

 

اخبار ذات صلة