كشفت تحقيقات موسعة نشرتها صحيفتا نيويورك تايمز الأمريكية وفايننشال تايمز البريطانية عن تحوّل عميق في طبيعة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تجاوز حدود العمليات العسكرية المباشرة إلى إعادة تشكيل تفاصيل الحياة اليومية للسكان، في واقع باتت فيه كلفة البقاء على قيد الحياة تتزايد بصورة غير مسبوقة.
وبحسب التحقيقين اللذين أعدتهما مراسلة نيويورك تايمز إيما غولدبرغ والصحفية الاستقصائية إيميلي كاسي، لم تعد آثار الحرب تُقاس فقط بحجم الدمار أو أعداد الضحايا، بل بقدرتها على إنتاج بيئة معيشية قائمة على الجوع والمرض والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية، ما جعل الحياة اليومية في القطاع معركة مستمرة من أجل البقاء.
وأشار التحقيق إلى أن القيود المفروضة على إدخال البضائع إلى غزة، وحصر التصاريح بعدد محدود من التجار، أدت إلى تفكيك المنظومة التجارية التقليدية وظهور شبكات وساطة واحتكار رفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة. فتكلفة شحنة بضائع واحدة قد ترتفع من نحو 100 شيكل قبل دخول القطاع إلى أكثر من 20 ألف شيكل بعد وصولها، نتيجة الرسوم والعمولات المتراكمة.
وأدى هذا الواقع إلى قفزات هائلة في أسعار المواد الغذائية، حيث ارتفع سعر كيلو الدقيق من نصف دولار تقريباً قبل الحرب إلى نحو 27 دولاراً، فيما وصل سعر كيلو البيض إلى 130 دولاراً، وبلغ سعر غاز الطهي مستويات قياسية، وسط توسع السوق السوداء وتراجع قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الأساسية.
كما وثقت التحقيقات نشوء منظومة مالية موازية تعتمد على وسطاء غير رسميين لتحويل الأموال إلى داخل القطاع، في ظل القيود المصرفية المفروضة، حيث تصل عمولات التحويل في بعض الحالات إلى 60% من قيمة المبلغ المرسل، ما يؤدي إلى استنزاف جزء كبير من المساعدات المالية قبل وصولها إلى العائلات المحتاجة.
وتناول التحقيق قصة عائلة الفلسطيني صالح أبو شمالة المقيم في لندن، التي اضطرت للنزوح من رفح إلى منطقة المواصي غرب خان يونس، حيث يعيش مئات الآلاف في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة داخل خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. ووفق التقرير، أنفق أبو شمالة أكثر من 250 ألف دولار خلال عامين لدعم أسرته المحاصرة داخل القطاع، قبل أن تتجاوز ديونه 125 ألف دولار.
وفي الجانب الصحي، رصدت التحقيقات انهياراً متواصلاً في المنظومة الطبية، نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وتضرر المستشفيات. وأشارت إلى أن المرضى المصابين بأمراض مزمنة أصبحوا يواجهون مخاطر متزايدة بسبب عدم توفر العلاج والرعاية اللازمة، في ظل الضغوط المتصاعدة على المرافق الصحية.
كما سلطت الضوء على أوضاع النازحين الذين تحول النزوح بالنسبة لهم من حالة مؤقتة إلى واقع دائم، حيث أصبحت الخيام مساكن طويلة الأمد لمئات آلاف العائلات، في ظل شح المياه وتدهور شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات.
من جهتها، حذرت فايننشال تايمز من تفاقم الكارثة البيئية داخل القطاع، مشيرة إلى أن توقف معظم محطات الصرف الصحي عن العمل وتكدس النفايات في مناطق النزوح أديا إلى انتشار القوارض والحشرات بشكل واسع، ما يفاقم المخاطر الصحية على السكان، خصوصاً الأطفال.
وتخلص التحقيقات إلى أن ما تشهده غزة لم يعد مجرد حرب تقليدية تُقاس بنتائجها العسكرية، بل تحول إلى عملية واسعة التأثير تمس مختلف جوانب الحياة اليومية، من الاقتصاد والصحة والغذاء إلى البيئة والبنية التحتية. ففي ظل هذه الظروف، لم يعد البقاء أمراً بديهياً، بل أصبح معركة يومية يخوضها السكان في مواجهة منظومة متشابكة من الأزمات الإنسانية والمعيشية المتفاقمة.