لم تقتصر خسائر الحرب في قطاع غزة على البشر والمنازل والمرافق، بل امتدت إلى الحيوانات التي فقدت مصادر غذائها ورعايتها البيطرية، وسط نقص الأعلاف والأدوية وارتفاع تكاليف العلاج. وبينما نفقت أعداد كبيرة منها، يكافح أصحاب الحيوانات للحفاظ على ما تبقى منها، في معركة لا تتعلق ببقائها فحسب، بل باستمرار مصادر رزق ارتبطت بها لسنوات.
ولا تنفصل مأساة الحيوانات عن معاناة أصحابها، إذ شكلت الثروة الحيوانية مصدرًا للغذاء والدخل لآلاف الأسر في القطاع، وكان فقدانها يعني خسارة مورد اقتصادي أساسي، فضلًا عن تراجع فرص الحصول على اللحوم والألبان وغيرها من المنتجات الحيوانية.
وتعكس الأرقام حجم الدمار الذي أصاب منظومة الإنتاج الحيواني؛ فوفق تقديرات دولية، كان نحو 70% من الحيوانات المنتجة للحوم والألبان في غزة قد ذُبح أو استُهلك أو نفق بحلول أغسطس/آب 2024. كما تشير تقديرات لاحقة إلى نفوق نحو 15 ألف رأس من الأبقار، أي ما يقارب 95% من إجمالي أعدادها قبل الحرب.
وفي مايو/أيار 2025، قدرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» بقاء نحو 36% من أعداد الأغنام التي كانت موجودة قبل الحرب، و39% من الماعز، و3.8% فقط من الأبقار، و1.4% من الدجاج اللاحم والبياض.
ورغم تسجيل تحسن محدود لاحقًا في أعداد المجترات الصغيرة، فإن الحيوانات الباقية لا تزال تواجه نقص الغذاء والأدوية وصعوبة الحصول على الرعاية البيطرية، في وقت يعاني فيه المربون من خسائر يصعب تعويضها.
أعلاف شحيحة وأدوية مفقودة
ولا تقتصر المخاطر على نفوق الحيوانات جراء القصف أو تدمير الحظائر والمزارع، بل تمتد إلى صعوبة توفير الغذاء والعلاج، بعدما أدى نقص الأعلاف والأدوية واللقاحات إلى تراجع قدرة أصحاب الحيوانات والأطباء البيطريين على مواجهة الأمراض.
ويقول الطبيب البيطري محمد أبو وردة إن نفوق الحيوانات والدواجن يرتبط، إلى جانب ظروف الحرب، بنقص الأدوية واللقاحات والأعلاف وسوء التغذية، موضحًا أن القطاع يعاني منذ بداية الحرب من فقدان معظم المستحضرات البيطرية الأساسية.
ويضيف أبو وردة، أن نحو 99% من الأدوية البيطرية الأساسية باتت مفقودة، بما يشمل المضادات الحيوية والمسكنات واللقاحات، الأمر الذي يحد من فرص علاج الحيوانات المريضة والمصابة.
وأمام هذا النقص، يضطر بعض الأطباء وأصحاب الحيوانات إلى استخدام ما تبقى لديهم من أدوية قديمة، انتهت صلاحية بعضها أو لم تعد ملائمة للحالات التي تحتاج إلى علاج. ويؤدي تزامن شح الأدوية مع سوء التغذية إلى زيادة المخاطر الصحية التي تواجه الحيوانات.
أسعار الأعلاف تستنزف المربين
وإلى جانب نقص الأدوية، يشكل ارتفاع أسعار الأعلاف عبئًا إضافيًا على أصحاب الحيوانات، الذين يجدون أنفسهم أمام تكاليف متزايدة لتوفير الغذاء، في وقت تتراجع فيه قدرتهم على تحمل النفقات.
ويوضح أبو وردة أن سعر كيس الشعير، الذي يزن 50 كيلوغرامًا، كان يتراوح قبل الحرب بين 60 و65 شيكلًا، لكنه ارتفع خلال الحرب إلى قرابة ألفي شيكل، قبل أن يتراجع إلى نحو 170 شيكلًا، بعد توفر كميات جديدة.
ورغم انخفاض السعر مقارنة بذروة الأزمة، فإن تكاليف الأعلاف لا تزال تثقل كاهل المربين، خصوصًا في ظل تراجع الإنتاج وصعوبة توفير الغذاء بالكميات اللازمة. ولا تتوقف الأعباء عند ذلك، إذ قد تصل تكلفة بعض العلاجات إلى نحو 500 شيكل، وهو مبلغ يعجز كثيرون عن توفيره، ما يدفع بعضهم إلى اللجوء إلى مواد بسيطة للتعامل مع الإصابات بدلًا من الحصول على العلاج البيطري المناسب.
عشرة أغنام تختصر خسارة سنوات
وتبدو هذه الأزمة أكثر وضوحًا في حياة المربين الذين فقدوا معظم قطعانهم، ولم يتبقَّ لهم سوى أعداد محدودة لا تكفي لاستعادة نشاطهم السابق أو تأمين دخل مستقر لأسرهم.
ويقول سليم حمدان، أحد مربي المواشي في المنطقة الوسطى، إن تأمين الأعلاف والتطعيمات أصبح مهمة صعبة، موضحًا أن ارتفاع الأسعار ونقص الكميات أثرت بشكل واضح على صحة المواشي .
ويشير حمدان إلى أن الأغنام والماعز تحتاج إلى تغذية منتظمة ومتوازنة، لكن توفير هذه الاحتياجات بات صعبًا في الظروف الحالية، ما يضطره إلى استخدام بدائل أقل جودة، والتركيز على توفير الحد الأدنى من الغذاء لإبقاء الحيوانات على قيد الحياة، بدلًا من تحسين أوزانها أو زيادة إنتاجها.
ويضيف أنه فقد عددًا كبيرًا من مواشيه بسبب نقص الغذاء والقصف والنزوح، ولم يتبقَّ لديه سوى عشرة رؤوس من الأغنام، ما ألحق ضررًا كبيرًا بدخله الذي كان يعتمد على إنتاج الحليب وبيع المواشي خلال المواسم.
ولم تقتصر الخسارة على تراجع أعداد القطيع، بل ازدادت مع تفشي الأمراض وصعوبة الحصول على الأدوية واللقاحات البيطرية، في ظل ارتفاع تكاليف الرعاية وتراجع القدرة على توفير مستلزماتها.
ويقول حمدان إن تربية المواشي تحولت من مصدر للرزق إلى عبء متزايد التكاليف، بعدما أصبحت نفقات الغذاء والعلاج تفوق قدرة كثير من المربين على التحمل، ما دفع عددًا منهم إلى التخلي عن المهنة وبيع ما تبقى لديهم من رؤوس الماشية.
وبالنسبة إليه، لا تعني خسارة الحيوانات فقدان مصدر دخل فحسب، بل ضياع سنوات من العمل والجهد في تكوين القطيع وتنميته.
تعافٍ محدود لا يعوض خسائر الحرب
ورغم الانهيار الذي أصاب الثروة الحيوانية، سجلت أعداد الأغنام والماعز ارتفاعًا محدودًا خلال الفترة اللاحقة لاتفاق وقف إطلاق النار.
ففي يونيو/حزيران 2026، أفادت منظمة الأغذية والزراعة «فاو» بأنها رصدت زيادة في أعداد المجترات الصغيرة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ومايو/أيار 2026، إذ ارتفعت أعداد الأغنام بنسبة 33% والماعز بنسبة 8%.
وأرجعت المنظمة هذا التحسن إلى المساعدات العاجلة والأعلاف الطارئة التي أُدخلت بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، موضحة أن هذه التدخلات ساعدت في تحسين آفاق إنتاج الحليب والألبان لدى الأسر الأكثر هشاشة.
لكن هذه الزيادة لا تعني تعافي القطاع من الخسائر التي لحقت به، إذ لا يزال المربون يواجهون صعوبات في تأمين الأعلاف والعلاجات، فضلًا عن الحاجة إلى إعادة بناء القطعان وتعويض الحيوانات التي نفقت أو بيعت خلال الحرب.
ويؤكد الطبيب البيطري محمد أبو وردة أن إدخال الأعلاف والأدوية واللقاحات البيطرية إلى القطاع يمثل أولوية لحماية ما تبقى من الثروة الحيوانية والحد من نفوقها، والمساعدة في استعادة جزء من القدرة المحلية على الإنتاج.
وبينما تتواصل تداعيات الحرب على مختلف جوانب الحياة في غزة، لا تزال الحيوانات الباقية تواجه نقص الغذاء والعلاج، فيما يكافح أصحابها للحفاظ عليها وعلى ما تمثله من مصدر للدخل والغذاء.