مما شهدته العقود الأولى من القرن الماضي، الثورة في علوم الاتصال التي لا تهدأ، حيث صار بإمكان أي انسانٍ أن يرى أن حدثٍ في أي مكانٍ وهو في سرير نومه، أو يعلم عن أي حدثٍ قبل وقوعه متجاوزاً الحدود الجغرافية، هذه الطفرة ساهمت إلى حدٍ كبيرٍ في خلق واقعٍ متناقضٍ أثر بشكلٍ كبيرٍ في مجال حقوق الانسان والعلاقات الدولية.
قد يسأل سائلٌ، وما الرابط بين حقوق الانسان والإعلام والعلاقات الدولية؟
الإجابةُ هي أن كثيراً من الأنظمة مارست كثيراً من أنواع الظلم ضد معارضيها في حدودها الجغرافية؛ لأنها لم تكن تخشى أن ينقل الاعلام ما تفعله؛ لأن الإعلام ينام في حضن الزعيم، فكان الحاكم ينام مطمئناً بأن صراخ المظلومين لن يسمعه أحد، لكن مع الثورة في مجال تكنولوجيا الاتصال والمعلومات لم تعد الأنظمة قادرة على إخفاء جرائمها كما الماضي.
هذه الثورة جعلت العالم قريةً صغيرة، وكل ما يحدث فيها يراها كل من يسكنها ويتأثر بها، والكثير من الجميع عبارة عن مؤسسات إقليمية ودولية ومحلية فهي في مجالات عديدة، وأهمها حقوق الانسان التي تتدخل في الدولة التي يمارسها نظامها العنيف ضد معارضيه فقط؛ لأنهم يعارضون هذا الانتهاك لحقوق الانسان داخل جغرافية الدولة، فلم يقف أثره عند حدود الجغرافية، بل سمع وعلم به كثيرون من شخصياتٍ ودولٍ فتدخلت لإيقاف أذى النظام.
مِن الأنظمة مَن تراجع نتيجة التدخلات الخارجية سواءً حملت تلك التدخلات طابعاً سلمياً أم طابعا خشناً، ومنها من لم يتراجع، وكأن من يقتلهم ليسوا بشراً، وأياً كان نوع التدخلات، فلا شك أنها ساهمت في خلق واقعٍ جديدٍ في مجال العلاقات الدولية، حيث إن من التدخلات من كان على هيئة تدخل جماعي كان بعض أعضاءه لهم علاقة مع النظام القمعي وعزف عن استمرار تأييده، ومنهم من كانت العداوة حاضرة في العلاقات بينهم سابقاً، ومنهم من كان على الحياد، فأصبح ضد النظام القمعي.
اسقاطا لما سق على واقعنا الفلسطيني وما يحدث فيها انتهاكات ضد أهلها لا سيما بغزة، فقد أثرت المجازر الإسرائيلية ضد غزة وأهلها في طبيعة العلاقات الدولية، وكان من مظاهر التأثر أن كثيراً من الدول انتقدت بشدة المجازر الإسرائيلية على أعلى مستوياتها الرسمية، وأوقفت كثيراً من أوجه التعاون معها، بل صارت تلوح بالمزيد، وتلك المجازر قد أحرجت دولاً ومؤسسات وشخصيات كثيرة في كافة المجالات، وأخرجتهم من دائرة حلفاء إسرائيل، فأدخلته إما إلى دائرة "العداء الصريح" أو "الحليف الخجول" وإما أبقته ضمن "الحليف المنبوذ".
دولاً كثيرة كانت قبل الحرب حليفة لإسرائيل أصبحت معارضة لها، حتى الرئيس الأمريكي ترامب قال ذات يوم" من كان ينتقد إسرائيل يشعر بأنه منبوذ، أما الآن فمن يؤيدها فهو يشعر بأنه منبوذ".
لكن رغم شدة المعارضة الدولية للمجازر الإسرائيلية في فلسطين خاصة غزة، إلا أنها لم تأخذ خطوات عملية مؤثرة توقف الإبادة، عكس كثير من الدول التي تعرض سكانها لمجازر من نظامها الحاكم، وتوحدت الدول والمنظمات الدولية ضده، وتم اسقاطه.
يجب القول بأن العلاقات الدولية تتأثر بما يحدث في أي بقعةٍ جغرافية، لكن الدول العربية والإسلامية رغم ما في فضائها من فضائيات وفي بطنها من خيرات وعلى ظهرها من مقومات قوة، لم تستخدم علاقاتها الدولية من أجل وقف حرب الإبادة، و"عدم الاستخدام" قد يكون رغبة منها فيه، أو عجزه منها عنه.
إن الحرص الغربي على أهمية ضمان حقوق الانسان يجب أن تترجم عملياً، ولقد آن الأوان لمخاطبة الغرب بالسلاح الذي رفعه في وجه غيره من الدول وهو "حقوق الانسان" وممارسة الضغوطات الفعلية على الاحتلال لوقف عدوانه على فلسطين وأهلها وغيرها من الدول العربية، حتى يكون لفلسفة حقوق الانسان معنى في القرن الواحد والعشرين.