قبل أن تبدأ العائلات في غزة إعداد الطعام، تبدأ رحلة البحث عن وقود. كرتونة من أمام متجر، قطعة قماش بالية، بعض الأكياس البلاستيكية أو خشب من أثاث منزل مدمر؛ كل ما يمكن أن يشتعل بات جزءاً من يوميات آلاف الأسر التي تكافح لتوفير نار تطهو عليها وجبة واحدة.
ومع شح غاز الطهي وارتفاع أسعار الحطب، لم تعد النفايات المنزلية مجرد مخلفات ينبغي التخلص منها، بل تحولت إلى مصدر للوقود. وتجمع عائلات ما يتوفر من كرتون وأقمشة وأكواب ورقية وبقايا أخشاب، فيما يلجأ آخرون إلى استخراج قطع الأثاث من تحت أنقاض منازلهم لاستخدامها في الطهي.
وتحذر وزارة التنمية الاجتماعية من أن استمرار هذه الظروف يفاقم معاناة الأسر النازحة، خصوصاً مع اختفاء أعواد الثقاب والولاعات من الأسواق، الأمر الذي يجعل إشعال النار نفسه مهمة شاقة تستغرق ساعات باستخدام وسائل بدائية.
الحطب نادر.. وسعره نار
وفي حال تمكنت العائلة من شراء الحطب، فإن ارتفاع سعره يمثل عائقاً آخر. فقد وصل سعر الكيلوغرام إلى ما بين 11 و13 شيكلاً، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من السكان ، فضلاً عن ندرة الحطب في الأسواق.
وأمام هذا الواقع، تأثرت حتى الأعمال الصغيرة التي تعتمد على الحطب، ومنها الأفران الطينية التقليدية.
ويقول أبو صالح، صاحب فرن في غزة: "نحن في أزمة حقيقية، والكل يعاني، الحطب أصبح نادراً، وسعره مرتفع جداً، أصبحنا نرفع الأسعار لتغطية التكاليف".
واضطر الرجل إلى رفع أجور طهي الخبز والصواني، لكنه يقول إن الإيرادات لم تعد تكفي لتغطية النفقات. ويشير إلى أن عدداً من الأفران أُغلق بالفعل، بينما يواجه فرنه المصير نفسه إذا استمرت الأسعار على حالها.
دخان الطعام يهدد صحة السكان
ومع استخدام مواد غير مخصصة للحرق، تتحول عملية الطهي إلى مصدر إضافي للمخاطر الصحية.
وتحذر وزارة التنمية الاجتماعية من أن حرق الأثاث المطلي والأخشاب المعالجة والمواد الكيميائية يؤدي إلى انبعاث دخان وغازات سامة، في وقت تضطر فيه النساء وربات الأسر وكبار السن إلى التعامل مع هذه المصادر بصورة متكررة.
ستة كيلوغرامات من الغاز لا تكفي
وتزداد الضغوط مع تغير الطقس وانخفاض درجات الحرارة مساءً. فبعد أن تمكنت الأسر من الاستغناء عن تسخين المياه خلال الصيف، عادت الحاجة إلى تسخينها مع برودة الجو، لتضاف إلى احتياجات الطهي اليومية.
وتقول عائلات إن ما تحصل عليه من الغاز، ويبلغ نحو 6 كيلوغرامات كل ثلاثة أشهر، لا يكفي للطهي وتسخين مياه الاستحمام معاً، في ظل غياب الكهرباء والوقود كبدائل متاحة.
وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية، لا يدخل إلى القطاع سوى أقل من 20% من الاحتياج الفعلي من غاز الطهي، بينما يحتاج قطاع غزة إلى ما لا يقل عن 250 شاحنة غاز شهرياً لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية.
فجوة بين الاحتياج وما يدخل إلى غزة
وتؤكد الهيئة العامة للبترول في غزة أنه منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار وحتى مطلع فبراير/شباط 2026، دخلت 307 شاحنات غاز فقط إلى القطاع، من أصل 1500 شاحنة كان يفترض إدخالها وفق بنود الاتفاق.
وبدأت القيود على إدخال غاز الطهي والوقود مع اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستمرت بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ومع تراجع الإمدادات، باتت الأزمة تمتد من أسطوانة الغاز إلى ما قبلها: البحث عن الحطب، ثم العثور على وسيلة لإشعال النار، ثم تحمل كلفة الدخان والمواد المحترقة.
ومع اقتراب الشتاء، تتسع قائمة الاحتياجات التي تتطلب الوقود، من الطهي إلى تسخين المياه والتدفئة، بينما لا تملك معظم الأسر بدائل عملية.
وتجدد وزارة التنمية الاجتماعية دعوتها إلى إدخال غاز الطهي والوقود ومستلزمات الحياة انتي الأساسية إلى القطاع دون قيود، محذرة من أن استمرار النقص يفاقم الظروف الإنسانية ويجعل واحدة من أبسط المهام اليومية — إعداد الطعام — عبئاً إضافياً على أسر أنهكتها الحرب والنزوح.