كشفت صحيفة الغارديان أن تهديدات إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة لا تقتصر على الرد على خطط لندن لفرض عقوبات على المستوطنات في الضفة الغربية، بل تعكس مساعي تل أبيب لتقليص الحضور الدبلوماسي الدولي المستقل في المدينة، وتعزيز فرض سيادتها عليها.
وقالت الصحفية إيما غراهام هاريسون، في تقرير من القدس، إن الخلاف بين الجانبين تصاعد بعد تلويح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بإغلاق القنصلية، ردًا على خطط بريطانية لحظر التجارة مع المستوطنات ومعاقبة شركات تقدم لها خدمات، من بينها الخدمات المالية.
وفي المقابل، لوحت لندن بطرد دبلوماسيين إسرائيليين، قبل أن يتراجع الطرفان عن مواجهة مفتوحة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وبموجب التسوية التي توصل إليها الجانبان، سيعاد وصف القنصلية بأنها «بعثة» بريطانية، مع تقليص عدد الدبلوماسيين العاملين فيها، لكنها ستحتفظ باستقلالها عن السفارة البريطانية في تل أبيب، وستواصل رفع تقاريرها مباشرة إلى لندن.
واعتبر المحامي الإسرائيلي دانيال سيدمان أن التسوية ربما كانت أفضل الخيارات المتاحة، لكنها لا تمثل انتصارًا، مشيرًا إلى أن الحضور البريطاني في القدس شهد تغييرًا نوعيًا مع خفض درجته الدبلوماسية.
وتعود خصوصية القنصلية البريطانية إلى ما قبل قيام إسرائيل عام 1948، إذ تعكس ترتيبات دبلوماسية تاريخية تعاملت مع القدس باعتبارها مدينة ذات وضع دولي خاص.
وتضم القدس الشرقية سبع قنصليات مستقلة أخرى افتُتحت قبل عام 1948، وترفع تقاريرها مباشرة إلى وزارات خارجية بلدانها، بدلًا من العمل تحت مظلة سفارات تلك الدول لدى إسرائيل.
ويرتبط هذا الوضع بخطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين عام 1947، التي اقترحت وضع القدس تحت إدارة دولية باعتبارها كيانًا منفصلًا. لكن الخطة لم تُنفذ، واحتلت إسرائيل القدس الشرقية عام 1967، ثم أعلنت ضم المدينة عام 1980، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي على نطاق واسع.
ويرى سيدمان أن استهداف البعثات الدبلوماسية المستقلة يندرج ضمن مساعي إسرائيل لفرض تصور أحادي للسيادة على القدس، بما يضع ضغوطًا على أي حضور دولي لا يتبنى هذا التصور.
وتشكل الخطط البريطانية لفرض قيود على التجارة مع المستوطنات إحدى أبرز التحركات التي اتخذها حليف تقليدي لإسرائيل بهدف الحد من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة.
وبحسب التقرير، أثارت التهديدات بالعقوبات مخاوف داخل القطاع المصرفي الإسرائيلي بشأن تداعياتها، في وقت امتنعت فيه مصارف إسرائيلية عن توضيح ما إذا كانت ستقدم ضمانات مالية لعقود البناء المرتبطة بالمشروع الاستيطاني «إي 1».
وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إن توقيت التحرك ارتبط بطرح مناقصات المشروع، الذي يسعى إلى توسيع الاستيطان في منطقة استراتيجية بالضفة الغربية.
وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد أعلن أن المشروع سيقوض فرص إقامة دولة فلسطينية، عبر فصل أجزاء من الضفة الغربية المحتلة.
من جانبه، اعتبر السفير الإسرائيلي السابق لدى جنوب أفريقيا إيلان باروخ أن التهديدات الموجهة إلى القنصلية أظهرت أن لندن بدأت تفرض «ثمنًا ذا معنى» على السياسات الإسرائيلية.
وأضاف أن احتفاظ البعثة باستقلالها، رغم تغيير وصفها وتقليص عدد دبلوماسييها، يشير إلى تراجع إسرائيلي عن التصعيد، مقابل تنازلات بريطانية أتاحت للطرفين احتواء الخلاف وتجنب مواجهة دبلوماسية مفتوحة.
ويعكس النزاع، وفق التقرير، تقاطع الخلاف بشأن العقوبات على الاستيطان مع صراع أوسع على طبيعة الحضور الدولي في القدس، في ظل استمرار إسرائيل في فرض وقائع على الأرض تهدد الحقوق الفلسطينية وفرص إقامة دولة مستقلة.