مرّ عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى توقيعه في أكتوبر 2025 في قطاع غزة حيز التنفيذ، لكن بالنسبة إلى كثير من سكان القطاع، لم يكن العام الماضي بداية لمرحلة من الأمان والتعافي بقدر ما كان امتدادًا للخوف والنزوح والمرض والحصار.
وبينما كان يفترض أن يفتح الاتفاق الطريق أمام تثبيت التهدئة، وتسهيل حركة المدنيين والمرضى، وإدخال الغذاء والدواء ومواد الإيواء، ظلت مظاهر الحرب حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، من إطلاق النار وسقوط الضحايا إلى صعوبة السفر وتراجع القدرة على الوصول إلى العلاج والمساعدات والمأوى.
بالنسبة إلى إبراهيم المدهون (34 عامًا)، من مشروع بيت لاهيا شمالي القطاع، لم يحمل العام الجديد الذي أعقب الاتفاق الأمان الذي انتظره. نزح المدهون عدة مرات خلال الحرب، بينها إلى جنوب القطاع، قبل أن يعود بعد سريان وقف إطلاق النار إلى المنطقة التي أصبحت قريبة من ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث يعيش مع أسرته داخل خيمة رافقته طوال فترة الحرب.
يقول المدهون لـ "الرسالة نت"، إن العام الماضي كان من أصعب سنوات الحرب بالنسبة إليه، إذ لم تتوقف عمليات إطلاق النار في المنطقة التي يقطنها، مشيرًا إلى أن الرصاص اخترق خيمته في أكثر من مرة، ما عرّض حياته وحياة أسرته للخطر.
ويقول: "كنت أتأمل أن يكون هذا العام أفضل من سابقه، لكنه كان قاسيًا، فلم نشعر بأي نوع من الأمان مطلقًا". ويضيف أن ما يريده السكان هو وقف حقيقي للحرب، لا اتفاقًا يبقى اسمه قائمًا بينما يستمر القتل على الأرض.
وتدعم الأرقام الرسمية رواية استمرار الخطر الأمني؛ إذ يقول المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب خلال عام على اتفاق وقف إطلاق النار 5,147 خرقًا، أدت إلى استشهاد 1,421 فلسطينيًا وإصابة 4,983 آخرين، إلى جانب اعتقال 198 مواطنًا.
فيما يشير مدير دائرة المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي، إلى ارتفاع معدل القتل خلال موجات التصعيد الأخيرة من ثلاثة أو أربعة شهداء يوميًا إلى ما بين ثمانية وعشرة.
ويقول الوحيدي، إن ثلاث أسر فلسطينية مُسحت بالكامل خلال عام واحد، مؤكدًا أن الاتفاق لم يوفر الحماية المطلوبة للمدنيين، وأن المستشفيات واصلت استقبال الشهداء والجرحى بصورة شبه يومية، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية أصلًا من نقص الأدوية والمستهلكات الطبية وتعثر علاج آلاف المرضى والجرحى.
ولعل قصة المريض محمد جبر (46 عامًا) تختصر جانبًا آخر من واقع ما بعد الاتفاق. يعاني جبر من سرطان في البلعوم، وكان يتلقى العلاج في مستشفى المقاصد الخيرية في القدس، وكان من المفترض أن يعود إلى استكمال رحلته العلاجية في أكتوبر، لكنه منذ ذلك الوقت لم يتمكن من مغادرة غزة.
ويقول لـ "الرسالة نت"، إنه حصل على تحويلة طبية عاجلة للسفر وإجراء صورة مقطعية ضرورية لاستكمال علاجه، قبل أكثر من عام، إلا أنه لم يتمكن من السفر، كما أن الفحص غير متوفر في القطاع، ما أدى إلى تأخير علاجه وتهديد فرص حصوله على الرعاية في الوقت المناسب.
وكان جبر يأمل أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى زيادة أعداد المرضى المسموح لهم بالسفر للعلاج، لكنه يؤكد أن شيئًا لم يتغير، بل ازدادت معاناته، معتبرًا أن استمرار القيود يهدد حياته وحياة آلاف المرضى.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن حرية الحركة ظلت محدودة خلال العام؛ إذ يقول المكتب الإعلامي الحكومي إن 13,785 مسافرًا فقط تمكنوا من المغادرة من أصل 35 ألفًا كان يفترض أن يسافروا من وإلى القطاع، بنسبة التزام لم تتجاوز 39%.
ولم تنتهِ الأزمة عند الأمن والحركة، إذ بقيت الاحتياجات الأساسية أكبر من قدرة السكان والمؤسسات على تلبيتها. ويقول المكتب الإعلامي الحكومي إن 72,826 شاحنة دخلت القطاع خلال عام، من أصل 210,600 شاحنة من المساعدات الإنسانية والإغاثية ومواد إعادة الإعمار كان يفترض دخولها وفق الاتفاق، أي بنسبة تقل عن 35%.
ويقول المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن إغلاق المعابر وقيود إدخال الإمدادات أبقت أكثر من مليوني فلسطيني تحت حصار خانق، مع استمرار القيود على إدخال الغذاء والدواء والوقود ومواد الإيواء.
ويرى المرصد في بيان صحفي، أن ذلك تزامن مع اتساع رقعة السيطرة والقيود العسكرية لتشمل نحو 70% من مساحة القطاع، ما حدّ من قدرة السكان على الوصول إلى منازلهم وأراضيهم ومرافقهم الحيوية.
خيام بدل البيوت
أما المأوى، فلم يتحول خلال عام وقف إطلاق النار إلى مرحلة مؤقتة نحو العودة، بل بقيت الخيام واقعًا لمئات آلاف الأسر. ويقول المكتب الإعلامي الحكومي إن أكثر من 1.5 مليون نازح يعيشون في نحو 270 ألف خيمة، بينها 162 ألف خيمة مهترئة وغير صالحة للاستخدام، أي أكثر من 60% من إجمالي الخيام.
كما توجد، وفق المكتب الإعلامي، أكثر من 255 بناية متصدعة وآيلة للسقوط، بينما يعيش آلاف الفلسطينيين في منازل متضررة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان.
وبذلك، تكشف حصيلة العام أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يترجم بالنسبة لكثير من سكان غزة إلى انتقال فعلي من الحرب إلى التعافي؛ فالأمن ظل هشًا، والحركة مقيدة، والمرضى ينتظرون فرص السفر، والمساعدات أقل من الاحتياجات، فيما بقيت الخيام والمباني المتضررة مأوى لمئات آلاف النازحين.
فبعد عام من الاتفاق، لا يقيس سكان غزة نجاح وقف إطلاق النار بمجرد توقف الحرب على الورق، وإنما بقدرتهم على النوم دون خوف، والعلاج دون انتظار، والحصول على الغذاء والمأوى، والعودة إلى بيوتهم، والشعور بأن حياتهم أصبحت محمية فعلًا.