قال مدير عام مجمع الشفاء الطبي الدكتور محمد أبو سلمية، إن مرور عام على وقف إطلاق النار في قطاع غزة لم يضع حدًا لحرب الإبادة وآثارها، مؤكدًا أن وتيرة القتل ربما تراجعت عن ذروة الحرب، لكن الاستهداف والخسائر البشرية والانهيار الصحي والإنساني لم تتوقف.
وأوضح أبو سلمية لـ"الرسالة نت"؛ أن الواقع الميداني بعد عام كامل من وقف إطلاق النار يؤكد أن غزة لم تنتقل إلى مرحلة التعافي، وأن السكان ما زالوا يعيشون امتدادًا مباشرًا لتداعيات الحرب، في ظل استمرار سقوط الشهداء والجرحى، وتقييد دخول المستلزمات الطبية، وبقاء معظم مكونات المنظومة الصحية عاجزة عن استعادة قدراتها السابقة.
وقال أبو سلمية إن نحو 1440 شهيدًا ارتقوا منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وفق الحصيلة التي أشار إليها، معتبرًا أن هذا الرقم وحده يعكس أن وقف إطلاق النار لم يعنِ توقف نزيف الدم، وأن حالة الخطر ما زالت قائمة رغم انخفاض كثافة العمليات العسكرية مقارنة بذروة الحرب.
وأضاف: "قد تكون ذروة حرب الإبادة قد خفت، لكن الإبادة بمفهومها الإنساني والصحي لم تتوقف؛ فما زلنا نستقبل الشهداء والجرحى، وما زالت الأمراض تفتك بالناس، وما زال المرضى يفقدون حياتهم بسبب نقص العلاج وتأخر السفر وعدم توفر الإمكانات الطبية اللازمة".
وكان أبو سلمية قد أكد في تصريحات سابقة خلال يوليو/تموز أن مرور تسعة أشهر على وقف إطلاق النار لم ينعكس بتحسن حقيقي على الواقع الصحي والإنساني، واصفًا القطاع الصحي بأنه يواجه "كارثة إنسانية غير مسبوقة"، فيما وثقت وزارة الصحة استمرار النقص الحاد في الأجهزة والأدوية والمستهلكات الطبية وتعطل أجزاء واسعة من القدرة التشغيلية لمجمع الشفاء.
وأكد أبو سلمية أن المنظومة الصحية في قطاع غزة لا تزال تعمل عند حدها الأدنى، موضحًا أن المستشفيات تعمل بقدرات أقل بكثير من الاحتياج الفعلي، فيما تضطر الطواقم الطبية إلى إدارة أعداد ضخمة من المرضى والجرحى بإمكانات محدودة للغاية.
وقال إن تدمير المستشفيات والمراكز الصحية، وخروج عدد من الأقسام والأجهزة عن الخدمة، ونقص قطع الغيار والوقود والأدوية والمستهلكات، كلها عوامل أبقت القطاع الصحي في حالة استنزاف مستمرة، مشيرًا إلى أن ما يقدم حاليًا لا يمثل نظامًا صحيًا طبيعيًا، وإنما "استجابة طوارئ ممتدة تحاول منع الانهيار الكامل".
وأضاف أن الأزمة لم تعد مقتصرة على جرحى القصف، وإنما تمتد إلى مرضى السرطان والكلى والقلب والأطفال والنساء الحوامل والمرضى المزمنين، الذين باتوا يدفعون ثمن تراجع القدرة العلاجية وصعوبة الحصول على الأدوية والفحوصات والتحويلات الطبية.
وكانت وزارة الصحة قد حذرت في أبريل/نيسان من المخاطر التي تهدد أقسام العناية المركزة والكلى والعمليات والحضانات في مجمع الشفاء بسبب أزمات الكهرباء ونقص الزيوت وقطع الغيار، فيما أكد أبو سلمية حينها أن استمرار القيود على إدخال المعدات والأجهزة يشكل خطرًا مباشرًا على حياة المرضى.
وأشار أبو سلمية إلى أن الأزمة الصحية لا يمكن فصلها عن المشهد الإنساني العام، قائلًا إن "المستوى الإنساني في قطاع غزة لا يزال في حالة انهيار كامل"، في ظل استمرار أزمة الغذاء والمياه والإيواء والصرف الصحي والفقر والبطالة والنزوح.
وأوضح أن المستشفيات تستقبل نتائج هذا الانهيار يوميًا، سواء عبر حالات سوء التغذية، أو الأمراض المرتبطة بتلوث المياه وضعف النظافة، أو الأمراض المزمنة التي تفاقمت بسبب انقطاع العلاج، أو الإصابات الناجمة عن العيش داخل خيام ومبانٍ غير آمنة.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن كثيرًا من العائلات في غزة لا تزال تعيش في خيام مكتظة أو مبانٍ متضررة بشدة، في ظل محدودية الوصول إلى المياه والخدمات الأساسية وتدهور أنظمة الصرف الصحي وإدارة النفايات، وهي ظروف ترفع المخاطر الصحية بصورة مستمرة.
وقال أبو سلمية إن مرور عام دون بدء عملية إعادة إعمار واسعة للمنظومة الصحية يعني استمرار استنزاف الكوادر الطبية والمرضى على حد سواء، مؤكدًا أن "الأطباء والممرضين لا يستطيعون الاستمرار إلى ما لا نهاية في العمل وسط نقص الأجهزة والدواء والمستلزمات".
وشدد على أن المطلوب ليس فقط إدخال مساعدات طارئة، وإنما إعادة بناء حقيقية للقطاع الصحي، وإدخال المستشفيات الميدانية والتخصصية والأجهزة التشخيصية وقطع الغيار والأدوية، إلى جانب فتح مسار ثابت ومنتظم لسفر المرضى الذين لا يتوفر لهم علاج داخل القطاع.
وختم أبو سلمية بالقول: "بعد عام على وقف إطلاق النار، لا يمكن الحديث عن تعافٍ في غزة. الدم ما زال ينزف، والمريض ما زال ينتظر، والمستشفى يعمل عند الحد الأدنى، والإنسان في غزة ما زال يعيش حالة طوارئ دائمة. المطلوب اليوم أن يتحول وقف إطلاق النار من مجرد انخفاض في وتيرة القصف إلى حياة حقيقية يشعر بها المواطن".