لم يجد عيسى إبراهيم محمد، 48 عاما، ما يحمي أسرته من برد الليل بعد أن تحولت منزله في قرية جنبا، أقصى جنوب شرق مدينة يطا، إلى ركام. فبعد هدم المنزل وبركس الأغنام الذي كان يعتمد عليه في إعالة أسرته، وجد الرجل نفسه مع زوجته وأطفاله الستة في العراء، بلا مأوى ولا مكان يأوي قطيع المواشي الذي يمثل مصدر رزقه الأساسي.
يقول عيسى إن قوات الاحتلال الإسرائيلي حاصرت القرية صباح الأربعاء، قبل أن تبدأ جرافاتها وآلياتها العسكرية عمليات هدم واسعة طالت مساكن ومنشآت سكنية وزراعية وخدمية، كان منزله وبركس الأغنام من بينها.
ويضيف أن عائلته قضت ليلتها في العراء، شأنها شأن أسر أخرى هدمت منازلها، من دون مكان يحمي الأطفال من البرد والظروف الجوية، فيما لم تعد المواشي تجد مكانا يؤويها.
ويصف عيسى ما جرى بأنه "نكبة" للقرية، موضحا أن الهدم لم يقتصر على المنازل، بل طال مقومات الحياة الأساسية، من المياه والطاقة والمنشآت الزراعية، ما ترك السكان أمام احتياجات عاجلة للمأوى والمياه والمواد الأساسية.
ويحذر من أن صعوبة الوصول إلى جنبا والقيود المفروضة على سكانها ستجعل إدخال المساعدات والاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يواجه فيه الأطفال، على وجه الخصوص، البرد والخوف وفقدان الاستقرار بعد تشريدهم من منازلهم.
عشرات المساكن والمنشآت تحت الجرافات
واقتحمت قوات الاحتلال القرية، معززة بآليات عسكرية وجرافات وحفارات ومركبات تابعة للإدارة المدنية، وحاصرتها قبل أن تبدأ عمليات هدم وتجريف واسعة لمنشآت أقامها المواطنون على أراضيهم الخاصة.
وألحقت العملية أضرارا مباشرة بنحو 26 أسرة تضم 176 شخصا، يشكل الأطفال والنساء نحو 70% منهم.
وطالت عمليات الهدم 22 مسكنا ووحدة سكنية، بينها مساكن كاملة وغرف مخصصة لإقامة العائلات، شيد معظمها من الطوب والصفيح، إلى جانب مرافق أساسية، بينها الحمامات والمطابخ وخزانات المياه ومنظومات الطاقة الشمسية التي يعتمد عليها السكان لتوفير الكهرباء في ظل غياب شبكة كهرباء منتظمة.
كما هدمت قوات الاحتلال 15 بركسا من الصفيح المعزول وحظيرة واحدة من الشادر مخصصة لتربية الأغنام، وتبلغ مساحتها الإجمالية نحو 600 متر مربع، وكانت تستخدم لإيواء مئات رؤوس الأغنام التي تعتمد عليها الأسر في تأمين دخلها.
وبلغت المساحة التي أقيمت عليها المساكن والمنشآت والإضافات التابعة لها نحو 4505 أمتار مربعة.
ولم تتوقف الأضرار عند المباني السكنية والحظائر، إذ شملت مخازن للأعلاف ومنشآت لتخزين المواد اللازمة لإعاشة الأسر وتربية المواشي، فضلا عن 21 حماما و9 مطابخ وعشرات خزانات المياه، تبلغ سعة الواحد منها نحو متر مكعب.
كما دمرت عمليات الهدم منظومات الطاقة الشمسية التي يعتمد عليها السكان في الحصول على الكهرباء، إلى جانب كهف وطابون وغرف لتخزين الأعلاف ومنشآت أخرى مرتبطة باحتياجات السكان اليومية.
ضرب مصادر الرزق
ويعتمد غالبية سكان جنبا على تربية الأغنام والزراعة، ما يجعل استهداف المساكن والحظائر ومخازن الأعلاف وخزانات المياه ومنظومات الطاقة الشمسية يتجاوز فقدان المباني إلى ضرب مقومات الحياة ومصادر الدخل.
وتقول مصادر محلية إن السكان يواجهون منذ سنوات قيودا على البناء وإقامة الإضافات وتحسين مساكنهم ومنشآتهم، الأمر الذي يزيد من صعوبة إعادة بناء ما هدمته قوات الاحتلال.
وجاءت عملية الهدم بعد رفض سلطات الاحتلال المخطط التفصيلي الذي تقدم به سكان القرية منذ عام 2018، وبعد سنوات من إصدار أوامر هدم بحق منشآتهم.
وفي 18 أغسطس/آب 2026، رفضت سلطات الاحتلال المخطط المقدم من السكان، بذريعة وقوع القرية ضمن منطقة إطلاق النار 918، وهو ما مهد، وفق مصادر محلية، لتنفيذ عمليات الهدم الأخيرة.
2500 فلسطيني أمام خطر التهجير
وتعد جنبا واحدة من 12 قرية وتجمعا فلسطينيا تقع جنوب شرق يطا، وتواجه خطر التهجير، وهي: جنبا، المركز، الحلاة، الفخيت، التبان، المجاز، مغاير العبيد، صفي الفوقا، صفي التحتا، الطوبا، خلة الضبع والمفقرة.
ويقدر عدد سكان هذه التجمعات بنحو 2500 فلسطيني ينتشرون على مساحة تقارب 32 ألف دونم، وفق إحصاءات مجلس قروي مسافر يطا.
ولم تكن جنبا المنطقة الوحيدة التي شهدت عمليات هدم خلال العام الجاري، إذ طالت عمليات مماثلة قرية التبان وأجزاء واسعة من الفخيت وخلة الضبع، في سياق متواصل من القيود على السكان وممتلكاتهم.
وقال رئيس مجلس قروي مسافر يطا نضال أبو عرام إن ما يجري في المنطقة يمثل، وفق وصفه، مخططا لتهجير السكان الفلسطينيين من مناطقهم.
وأوضح في تصريحات صحفية أن نحو 2500 فلسطيني مهددون بالتهجير من مواقعهم، وأن هدم مساكنهم وممتلكاتهم والاستيلاء على الأراضي يؤدي عمليا إلى تقليص المساحات التي يستخدمها السكان للزراعة والرعي، وفرض واقع جديد على الأرض.
وأضاف أن جنبا واحدة من هذه المناطق المستهدفة، وأن اقتلاع سكانها وهدم مساكنهم ومنشآتهم يحد من قدرتهم على الوصول إلى الأراضي التي يعتمدون عليها في الزراعة وتربية المواشي.
مسافر يطا.. عقود من أوامر الإخلاء
تعود الإجراءات الإسرائيلية ضد سكان مسافر يطا إلى عقود مضت، حين أعلنت سلطات الاحتلال في بداية ثمانينيات القرن الماضي المنطقة منطقة تدريبات عسكرية وأطلقت عليها اسم منطقة إطلاق النار 918.
وفي أغسطس/آب 1999، أصدرت سلطات الاحتلال أوامر عسكرية بإخلاء سكان المنطقة وترحيلهم، بذريعة استخدامها لأغراض التدريب العسكري، رغم تأكيد السكان إقامتهم الدائمة في قراهم وأراضيهم.
وفي 16 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، نفذت قوات الاحتلال عملية ترحيل للسكان من عدد من قرى المنطقة، ونقلت المواطنين بالشاحنات إلى أطراف مدينة يطا، كما دمرت آبارا ومساكن ومنشآت، قبل أن يتمكن السكان لاحقا من العودة إلى قراهم وممارسة حياتهم فيها.
وفي 4 مايو/أيار 2022، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها بشأن الالتماسات المتعلقة بقرى مسافر يطا، وسمحت للقوات الإسرائيلية بإخلاء سكان عدد من القرى من المنطقة بذريعة استخدامها للتدريب العسكري.
وأثار القرار انتقادات من خبراء الأمم المتحدة، الذين حذروا من مخاطر التهجير القسري للسكان الفلسطينيين في المنطقة.
ومنذ ذلك القرار، تصاعدت عمليات الهدم وإخطارات الإخلاء وقيود البناء والوصول إلى الأراضي، بالتزامن مع اعتداءاتالمستوطنين وإقامة بؤر استيطانية والاستيلاء على أراض زراعية.
التبان والفخيت وخلة الضبع..مسلسل الهدم مستمر
وفي 2 سبتمبر/أيلول 2026، وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان هدم 38 منشأة سكنية وزراعية وخدمية في قرية التبان بمسافر يطا، ما أدى إلى تشريد ثماني أسر تضم 58 شخصا، بينهم 26 طفلا و30 امرأة.
وفي 8 سبتمبر/أيلول 2026، هدمت قوات الاحتلال 20 منشأة سكنية وزراعية وخدمية في قريتي الفخيت وخلة الضبع، ما تسبب في تشريد خمس أسر تضم 33 شخصا، بينهم 14 طفلا و15 امرأة.
ويأتي ذلك بينما تتواصل القيود المفروضة على السكان، في وقت تتعرض فيه الأراضي الزراعية ومناطق الرعي لمزيد من التضييق، بما يهدد نمط الحياة الذي اعتمد عليه سكان مسافر يطا لعقود.
هدم المساكن ومقومات الحياة
ويرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن هدم المساكن والمنشآت المدنية وحرمان السكان من مصادر المياه والطاقة ووسائل كسب الرزق، بالتزامن مع منع البناء ورفض المخططات التنظيمية، يشكل جزءا من منظومة إجراءات تضغط على السكان وتحد من قدرتهم على البقاء في أراضيهم.
ويشير المركز إلى أن هذه الإجراءات تتزامن مع توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، بما يعمق السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة ويدفع السكان، بحسب المركز، نحو النزوح القسري.
ويصف المركز هذا المسار بأنه ضم تدريجي للضفة الغربية، ويعتبره متعارضا مع قواعد القانون الدولي التي تحظر على دولة الاحتلال اتخاذ إجراءات تؤدي إلى تغيير دائم في وضع الأراضي المحتلة أو نقل سكانها قسرا.
ويستند المركز إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو/تموز 2024، والذي خلص إلى عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ودعا إلى إنهائه، بما في ذلك ما يتعلق بالمستوطنات.
ودعا المركز المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات لحماية التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا ومنع عمليات التهجير الجديدة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي يصفها بأنها جرائم حرب، وتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين.
وبالنسبة إلى سكان جنبا، لا تبدو القضية مجرد فقدان جدران وأسقف؛ فهدم المنزل والحظيرة وخزان المياه ومصدر الطاقة يعني فقدان عناصر الحياة التي أبقتهم في أرضهم لعقود.
وبينما يواجه عيسى وأسرته ليلة أخرى بلا منزل، تبقى أسئلة السكان أكبر من قدرتهم على الإجابة عنها: أين سيأوي أطفالهم؟ وأين ستذهب مواشيهم؟ وكيف سيواصلون العيش في أرض يقولون إنهم متمسكون بها، فيما تتسع دائرة الهدم من قرية إلى أخرى في مسافر يطا؟