مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

مع اقتراب الشتاء.. خيام مهترئة ومبانٍ متصدعة تهدد نازحي غزة

غزة – محمد سليمان

بقطع من النايلون وبعض البطانيات القديمة والحبال، يحاول النازح محمد قديح ترميم خيمته في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، قبل أن تحمل الأيام المقبلة أولى الأمطار والرياح التي يخشى أن تحوّل خيمته المهترئة إلى مكان غير صالح للسكن.

منذ نزوحه إلى المنطقة في مايو/أيار 2024، لم يحصل قديح على خيمة بديلة، بينما ترك صيفان شديدا الحرارة وغبار الشهور الطويلة آثارًا واضحة على القماش الذي أصبح ممزقًا في أكثر من موضع، ولم يعد قادرًا على توفير الحد الأدنى من الحماية لعائلته.

ولا تبدو أمام قديح خيارات كثيرة؛ فشراء مستلزمات جديدة لترميم الخيمة أصبح عبئًا يفوق قدرته المالية، بعدما قفزت أسعار الشوادر والنايلون ومواد التثبيت في الأسواق خلال الفترة الأخيرة.

ويقول قديح لـ"الرسالة نت": "وصل سعر الشادر إلى نحو 300 شيقل، بعدما كان قبل أسبوعين قرابة 100 شيقل فقط، وهذا جعل كثيرًا من النازحين غير قادرين حتى على صيانة خيامهم استعدادًا للشتاء".

ويضيف أن فصل الشتاء بالنسبة للعائلات التي تعيش في الخيام ليس مجرد انخفاض في درجات الحرارة، بل موسم طويل من القلق؛ تبدأ معاناته مع أول هطول للأمطار، عندما تتسرب المياه إلى الفرش والملابس، وتغمر بعض المناطق المنخفضة، فيما تصبح الخيام أكثر هشاشة أمام الرياح القوية.

بالنسبة لقديح وعائلته، أصبح السؤال الذي يسبق الشتاء كل عام واحدًا: هل ستصمد الخيمة هذه المرة؟

لكن الخيام المهترئة ليست الخطر الوحيد الذي يواجه سكان غزة.

فإلى جانب مئات آلاف النازحين الذين يعيشون في مخيمات ومواقع إيواء مكتظة، اضطر آخرون إلى العودة إلى بيوت مدمرة جزئيًا أو مبانٍ متضررة، بعدما ضاقت أمامهم خيارات السكن ولم تعد حياة الخيمة محتملة بالنسبة لهم.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن معظم سكان قطاع غزة، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، يدخلون موسم الأمطار في ظل اكتظاظ مواقع النزوح وتدهور المآوي المؤقتة، فيما لا تزال استعدادات فصل الشتاء مقيدة بنقص التمويل والقيود على إدخال مواد الإيواء الأساسية.

في مخيم خان يونس، اختار أحمد مطر خطرًا مختلفًا؛ فقد ترك الخيمة وعاد مع أفراد أسرته إلى ما تبقى من منزله المكون من طابقين، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت به خلال الحرب.

لم يتبق من المنزل سوى غرفة واحدة يقول إنها تبدو أكثر تماسكًا من بقية أجزاء المبنى، لكنها لا تمنح العائلة شعورًا حقيقيًا بالأمان.

ويقول مطر لـ"الرسالة": "حالنا كحال كثير من أهالي غزة، لا توجد لدينا خيارات. إما الخيمة التي لا تحتمل في الشتاء والصيف، أو العودة إلى منازلنا المتضررة رغم معرفتنا بخطورتها".

ويضيف: "حياة الخيمة جحيم؛ حر في الصيف وبرد ومياه ورياح في الشتاء، ولا خصوصية ولا أمان، لذلك اضطررنا للعودة إلى منزلنا رغم خوفنا من أن يسقط في أي وقت".

وتكشف حالة مطر عن معضلة باتت تواجه آلاف الأسر في غزة: الاختيار بين خيمة لا تصلح للحياة ومبنى قد لا يكون آمنًا للسكن.

وقد أعاد انهيار مبنى متضرر في مدينة غزة في 16 سبتمبر/أيلول، كان يؤوي عائلات نازحة، المخاطر المرتبطة بالسكن داخل الأبنية المتصدعة إلى الواجهة مجددًا، في وقت تشير تقديرات إلى وجود آلاف المباني التي تشكل درجات مختلفة من الخطورة على سكانها.

وتظهر تقييمات أممية شملت أكثر من 178 ألف وحدة سكنية جرى فحصها خلال عام 2026 أن نحو 60% منها مصنفة على أنها مدمرة أو متضررة بشدة أو غير صالحة للسكن، بينما لا تزال عمليات الإصلاح محدودة للغاية مقارنة بحجم الدمار.

100** ألف خيمة تحتاج للاستبدال

وفي ظل هذا الواقع، يرى مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، محمد صالحة، أن المشكلة تجاوزت منذ وقت طويل مسألة تقديم مساعدات موسمية للنازحين، وباتت تتطلب خطة إيواء واسعة تتناسب مع حجم الدمار والنزوح.

ويقول صالحة لـ"الرسالة نت" إن التقديرات تشير إلى وجود قرابة 100 ألف خيمة مهترئة تحتاج إلى الاستبدال قبل حلول فصل الشتاء، بعدما استُخدمت لفترات طويلة وتعرضت للشمس والرياح والأمطار والتنقل المتكرر.

ويوضح أن كثيرًا من الخيام الموجودة حاليًا لم تكن مصممة أصلًا للإقامة لأشهر وسنوات، وإنما كمأوى طارئ لفترة قصيرة، الأمر الذي جعل قدرتها على توفير الحماية للعائلات تتراجع بصورة كبيرة.

ويضيف أن إقامة أربعة مخيمات جرى فيها توفير خيام كبيرة تمثل خطوة محدودة قياسًا بحجم الاحتياج الفعلي في القطاع، مؤكدًا أن أزمة الإيواء تتطلب حلولًا أكبر بكثير من قدرة المشاريع الحالية.

ويقول صالحة إن قطاع غزة بحاجة إلى بدائل إيواء حقيقية ومؤقتة وآمنة، في ظل وجود نحو مليوني فلسطيني تأثروا بالنزوح بدرجات مختلفة، وبينهم أعداد كبيرة ما تزال تعيش في الخيام أو مراكز الإيواء أو المنازل المتضررة.

ويشير إلى أن الخطر لا يقتصر على العائلات الموجودة في المخيمات، بل يشمل أيضًا آلاف النازحين الذين لجؤوا إلى مبانٍ سبق أن تضررت خلال الحرب، اضطرارًا لا اختيارًا، لعدم وجود مكان آخر يمكن الانتقال إليه.

وبحسب صالحة، فإن اقتراب الشتاء يجعل الحاجة إلى معالجة ملف الإيواء أكثر إلحاحًا، فالأمطار والرياح لا تهدد الخيام وحدها، وإنما قد تزيد من خطورة المباني المتصدعة والأسقف والجدران غير المستقرة.

ويحذر من أن تأخير الاستجابة سيجعل المؤسسات الإنسانية أمام سباق مع الوقت، خاصة أن توفير خيمة جديدة بعد غرق المخيمات أو انهيار المأوى لن يكون بديلًا عن التحرك الوقائي المسبق.

ويؤكد أن المطلوب يشمل إدخال كميات كبيرة من الخيام والشوادر ومواد العزل والأخشاب ومستلزمات الصيانة، بالتوازي مع توفير وحدات سكنية مؤقتة أكثر قدرة على الصمود أمام الظروف الجوية.

وتتقاطع تحذيرات صالحة مع بيانات أممية تشير إلى أن نقص مواد الإيواء أصبح أحد أبرز التحديات قبل شتاء 2026-2027؛ إذ ما تزال عشرات آلاف قطع الأخشاب وآلاف مجموعات الإيواء والخيام والشوادر بانتظار السماح بدخولها إلى القطاع، في وقت تحذر الأمم المتحدة من أن استمرار المعدل الحالي قد يعني عدم وصول كثير منها قبل الشتاء.

ويشدد صالحة على أن معالجة أزمة الإيواء لا يمكن أن تستمر عبر اعتبار الخيمة حلًا دائمًا، موضحًا أن استمرار العائلات لسنوات داخل الخيام يخلق مشكلات إنسانية وصحية واجتماعية متراكمة.

فالخيمة، وفق قوله، لا توفر الخصوصية الكافية، ولا الحماية من الحرارة أو البرد، كما أن ازدحام المخيمات ونقص شبكات الصرف وتصريف مياه الأمطار يجعل كثيرًا منها عرضة للغرق مع كل منخفض جوي.

وتشير تقييمات أممية حديثة لنحو 230 موقع نزوح إلى وجود مشكلات متكررة تشمل ضعف تصريف المياه، وتدهور المآوي، ووجود حفر ومرافق صحية غير آمنة، والاكتظاظ ومخاطر مياه الصرف، وهي مشكلات يتوقع أن تتفاقم خلال موسم الأمطار.

ويرى صالحة أن أي استجابة حقيقية يجب أن تعمل في مسارين متوازيين: إنقاذ الأسر الموجودة في الخيام المتهالكة، وإخراج العائلات من المباني التي تشكل خطرًا على حياتها.

**الكرفانات كحل مؤقت

بدوره، يؤكد نائب رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة ورئيس بلدية خان يونس، د. علاء الدين البطة، أن مواجهة أزمة الشتاء تتطلب الانتقال سريعًا من الحلول الإسعافية إلى توفير مساكن مؤقتة أكثر أمانًا.

ويقول البطة لـ"الرسالة نت" إن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون لإدخال بيوت متنقلة آمنة "كرفانات" إلى قطاع غزة، واستخدامها لإيواء الأسر التي تعيش في الخيام شديدة التضرر أو المباني الآيلة للسقوط.

ويضيف أن توفير مأوى يحفظ حياة وكرامة العائلات لم يعد أمرًا يمكن تأجيله، خصوصًا مع دخول فصل الشتاء وما يصاحبه من أمطار ورياح قد تزيد من هشاشة المباني المتضررة وتفاقم ظروف المخيمات.

ويشير إلى أن البلديات تواجه أصلًا أزمة خدمات وبنية تحتية غير مسبوقة، في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بشبكات الطرق والمياه والصرف الصحي، الأمر الذي يجعل التعامل مع موسم الأمطار أكثر صعوبة.

وكان البطة قد حذر خلال الأشهر الماضية من حجم الضرر الذي أصاب البنية التحتية والمرافق البلدية، مشيرًا إلى تضرر نسبة واسعة من المباني والمنشآت والخدمات في القطاع.

ويؤكد أن إدخال المساكن المؤقتة يجب أن يترافق مع إدخال الآليات والمعدات الثقيلة اللازمة لإزالة المباني شديدة الخطورة والركام وفتح الطرق وتصريف مياه الأمطار، لأن أزمة الشتاء لا يمكن فصلها عن واقع البنية التحتية المدمرة.

ويضيف: "كل تأخير في إدخال المعدات ومستلزمات الإيواء يضاعف الخطر على المواطنين، ومع الشتاء تصبح المخاطر أكبر بكثير".

**مبانٍ تنتظر الانهيار

من جانبه، يحذر رئيس بلدية غزة د. يحيى السراج من أن حلول فصل الشتاء يضاعف المخاطر الموجودة أصلًا داخل المدينة، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها المباني المتضررة والركام والبنية التحتية المدمرة.

ويقول السراج إن الرياح القوية والأمطار قد تؤثر بشكل مباشر في الأبنية التي فقدت أجزاء من بنيتها الإنشائية خلال الحرب، سواء عبر زيادة الأحمال على الأسقف أو تسرب المياه إلى الشقوق أو انجراف التربة المحيطة بالأساسات.

ويؤكد أن البلدية تحذر باستمرار السكان من البقاء داخل المباني المصنفة خطرة، لكن تلك التحذيرات تصطدم بسؤال يطرحه المواطنون باستمرار: إلى أين نذهب؟

فكثير من العائلات، وفق السراج، تدرك أن المكان الذي تعيش فيه غير آمن، لكنها لا تجد خيمة بديلة ولا مركز إيواء ولا قدرة مالية على استئجار منزل، فتضطر للبقاء تحت سقف متصدع خوفًا من حياة الشارع أو الخيام.

ويشدد على ضرورة إدخال المساكن المؤقتة والمعدات الهندسية اللازمة للتعامل مع المباني الخطرة، إلى جانب توفير حلول عاجلة لإيواء العائلات التي يتقرر إخلاؤها منها.

ويقول السراج إن سكان غزة "ليسوا مجرد أرقام، بل بشر لهم الحق في الحياة والأمان وفي مأوى يحميهم من المطر والبرد وخطر الموت تحت الأنقاض".

ولا تتوقف مخاطر الشتاء عند حدود المأوى؛ فمخيمات النزوح المنتشرة في مناطق عدة من القطاع أقيم كثير منها فوق أراضٍ ترابية أو منخفضة أو قرب الساحل، في وقت تضررت فيه شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي والطرق.

وتحذر المؤسسات الإنسانية من أن الأمطار الغزيرة قد تؤدي إلى غرق مساحات داخل المخيمات واختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف، بما يرفع مخاطر الأمراض، خاصة بين الأطفال وكبار السن والمرضى.

كما أن نقص الملابس الشتوية والبطانيات ووسائل التدفئة يجعل العائلات التي تقيم في الخيام أكثر هشاشة أمام انخفاض درجات الحرارة.

وتقول الأمم المتحدة إن الاستعدادات الحالية لفصل الشتاء لا تزال مقيدة بشدة بسبب نقص التمويل وتأخر إدخال مواد أساسية، بينما تزداد المخاوف من الفيضانات والرياح القوية وتدهور أوضاع مواقع النزوح

 

بث مباشر