مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

أبعد من أوسلو..

خبير قانوني: السلطة حوّلت الأمن الفلسطيني إلى أداة للاحتلال

الرسالة نت- محمود هنية

قال الخبير في القانون الدولي د. أنيس قاسم إن ما وصلت إليه السلطة الفلسطينية اليوم في علاقتها الأمنية مع الاحتلال "أخطر من اتفاق أوسلو نفسه"، معتبرًا أن الاتفاق نقل الحالة الفلسطينية من مشروع تحرر وثورة في مواجهة الاحتلال إلى حالة أمنية وإدارية مقيدة، فيما ذهبت السلطة لاحقًا أبعد من ذلك، وحوّلت الأمن الفلسطيني إلى أداة تخدم الاحتلال بصورة مباشرة.

وأوضح القاسم في تصريح لـ"الرسالة نت" أن خطورة اتفاق أوسلو لم تكن محصورة في البنود السياسية التي تضمنها، بل في إعادة صياغة وظيفة المؤسسة الفلسطينية ومهمتها، بعدما كانت منظمة التحرير تمثل شعبًا يخوض معركة تحرر وطني وإنهاء احتلال، لتنشأ بموجب الاتفاق سلطة انتقالية محدودة الصلاحيات تحت الاحتلال.

وأضاف أن الأخطر هو أن المرحلة الانتقالية لم تقد إلى السيادة أو إنهاء الاحتلال، بينما ترسخت المنظومة الأمنية والإدارية التي نشأت في ظل أوسلو وتحولت بمرور الوقت إلى واقع دائم.

وأشار إلى أن الاتفاق نقل جزءًا مهمًا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من معادلة "شعب تحت الاحتلال في مواجهة قوة احتلال" إلى ترتيبات سياسية وأمنية وإدارية جعلت السلطة مسؤولة عن إدارة السكان الفلسطينيين في مناطق محددة، في حين احتفظ الاحتلال بمفاتيح السيطرة الأساسية على الأرض والحدود والأمن.

وقال القاسم إن المسألة الأمنية تمثل إحدى أخطر نتائج أوسلو، إذ أنشأ الاتفاق جهازًا أمنيًا فلسطينيًا ووضع أسسًا للتنسيق والتعاون الأمني، لكن ما جرى لاحقًا -وفق تقديره- تجاوز حتى الحدود التي رسمها الاتفاق.

وأضاف: "السلطة لم تعد تتعامل مع الأمن باعتباره أداة لحماية المواطن الفلسطيني ومواجهة الاعتداءات التي يتعرض لها، بل جرى تحويله في كثير من الأحيان إلى أداة من أدوات الاحتلال بصورة مباشرة، وهذه نتيجة أخطر حتى مما نص عليه أوسلو".

وأكد أن الفلسطيني بات أمام مفارقة خطيرة تتمثل في وجود أجهزة أمن فلسطينية تعمل في مناطق يقتحمها جيش الاحتلال متى شاء، وينفذ فيها الاعتقالات والاغتيالات والعمليات العسكرية دون أن تتمكن السلطة من توفير الحماية لمواطنيها.

ويرى القاسم أن هذه المعادلة أفرغت مفهوم السلطة الوطنية من جوهره، لأن أي سلطة -بحسب الأصل- يفترض أن تكون مهمتها حماية مجتمعها وأرضها ومصالح شعبها، لا أن تصبح وظيفتها الأساسية ضبط المجتمع الفلسطيني في ظل استمرار الاحتلال.

وأشار إلى أن أحد المخاطر الجوهرية التي حملها أوسلو تمثل في تأجيل الملفات الفلسطينية الكبرى، وفي مقدمتها القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية، إلى مفاوضات الوضع النهائي، في الوقت الذي استمر فيه الاحتلال في فرض الوقائع على الأرض.

وقال إن اتفاق أوسلو كان من المفترض أن يؤسس لمرحلة انتقالية محدودة، لكن استمرار بنيته لأكثر من ثلاثة عقود حول "المؤقت" إلى واقع سياسي وأمني طويل الأمد، دون أن يحصل الفلسطينيون على الاستقلال والسيادة التي كان يفترض أن تقود إليها العملية السياسية.

وشدد القاسم على أن الخطر الأكبر يكمن في انتقال مركز الثقل الفلسطيني من مشروع التحرر الوطني إلى المحافظة على بقاء السلطة ومؤسساتها والتزاماتها، بما أدى إلى تغيير الأولويات السياسية والأمنية الفلسطينية.

وأضاف أن استمرار الوضع بهذه الصورة يعني تكريس إدارة فلسطينية للسكان تحت الاحتلال، بينما تبقى السيطرة العليا على الأرض والمعابر والحدود والحركة والأمن بيد الاحتلال، وهو ما يتناقض -وفق رأيه- مع جوهر المشروع الوطني الفلسطيني القائم على إنهاء الاحتلال وتقرير المصير.

وأكد الخبير في القانون الدولي أن المطلوب فلسطينيًا هو إعادة تعريف وظيفة المؤسسات الفلسطينية على قاعدة أنها جزء من مشروع تحرر وطني وليست بديلًا عن هذا المشروع، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير باعتبارها ممثلًا لشعب يخضع للاحتلال وليس مجرد إطار مرتبط بإدارة سلطة محدودة الصلاحيات.

وختم القاسم بالتأكيد على أن مراجعة تجربة أوسلو لم تعد مسألة سياسية قابلة للتأجيل، قائلاً إن استمرار البنية الحالية دون مراجعة شاملة يعني تعميق واقع بات فيه الفلسطيني يدير شؤونه اليومية تحت الاحتلال، فيما يواصل الاحتلال التحكم بالأرض والقرار والمجال الأمني، وهو ما وصفه بأنه "أحد أخطر التحولات التي تعرض لها المشروع الوطني الفلسطيني".

بث مباشر