مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

أنقذا ذاكرة غزة من تحت الركام..

حنين العمصي وعبد اللطيف أبو هاشم يفوزان بجائزة "ذاكرة العالم"

الرسالة نت ـ خاص

بينما كانت القذائف تحوّل أحياء غزة إلى ركام، كان هناك من يبحث بين الأنقاض عن شيء لا يظهر في صور الحرب بسهولة: ذاكرة مدينة.

كانت المهندسة حنين العمصي، المديرة التنفيذية لمؤسسة «عيون على التراث»، تنزل إلى الأماكن المتضررة مع فريق من المتطوعين، بحثًا عن مخطوط أو وثيقة أو كتاب أو صورة نجت من القصف. لم تكن الأوراق القديمة بالنسبة إليها مجرد مقتنيات تاريخية؛ كل ورقة كانت تحمل جزءًا من حكاية غزة، وكل مخطوط شاهدًا على زمن قد لا يبقى منه شيء إذا ضاعت وثائقه.

إلى جانبها كان المؤرخ الدكتور عبد اللطيف أبو هاشم، المدير السابق لدائرة المخطوطات والآثار والمكتبات، الذي أمضى نحو 35 عامًا في جمع الأرشيفات الشخصية والعائلية في غزة وحمايتها.

ومع اندلاع الحرب، تحوّل العمل الذي بدأ قبل عقود إلى مهمة إنقاذ طارئة. القصف لم يهدد البشر والمباني فقط، بل هدد أيضًا ذاكرة المدينة المكتوبة؛ المكتبات والمساجد والمراكز الثقافية والبيوت التي احتفظت بوثائق عائلية نادرة أصبحت جميعها عرضة للدمار.

كان على الفريق أن يصل إلى ما يمكن الوصول إليه، وأن ينتشل الوثائق من بين الركام، ثم يحاول إنقاذها من عدو آخر لا يقل قسوة: المياه والرطوبة والعفن وسوء التخزين.

وقادت العمصي فريقًا من 11 متطوعًا في عمليات الإنقاذ، وسط ظروف بالغة الخطورة ونقص شديد في المعدات ومواد الترميم. وفي بعض المواقع كان الوصول إلى الوثائق يعني الاقتراب من مبانٍ مدمرة ومناطق ما زالت غير آمنة.

من بين المواد التي ارتبطت بجهود الإنقاذ مخطوطات ووثائق تاريخية من مكتبة الجامع العمري الكبير في غزة، إلى جانب مجموعات أخرى تعود إلى عائلات ومؤسسات فلسطينية.

ولم يتوقف العمل عند انتشال الوثائق.

فقد عمل أبو هاشم والعمصي على تطوير أساليب للحفظ الطارئ والترميم، وأنشآ أول مختبر متخصص لترميم المخطوطات في غزة، كما استخدما تقنيات الرقمنة لصناعة نسخ رقمية من المواد المهددة بالفقدان.

ونجح المشروع في رقمنة أكثر من 25 ألف صفحة من مواد مخطوطة تعود إلى الحقبتين المملوكية والعثمانية، إلى جانب إنقاذ مئات المخطوطات وآلاف الكتب والوثائق.

كانت الرقمنة هنا أكثر من مجرد عملية تقنية. كانت محاولة لصناعة نسخة ثانية من الذاكرة؛ نسخة يمكن أن تبقى حتى إذا اختفت الورقة الأصلية.

وهذا تحديدًا ما جعل جهود الرجل والمرأة تتجاوز مفهوم حماية المقتنيات القديمة. إنهما كانا يحاولان حماية الأدلة التي تقول إن هذه المدينة كانت هنا، وإن أجيالًا عاشت فيها وكتبت وقرأت وتاجرت وصلّت ودوّنت تفاصيل حياتها وتركت وراءها أثرًا مكتوبًا.

في سبتمبر 2026، جاءت لحظة الاعتراف الدولي.

فازت حنين العمصي والدكتور عبد اللطيف أبو هاشم بجائزة اليونسكو/جيكجي لذاكرة العالم لعام 2026، تقديرًا لجهودهما في حماية التراث الوثائقي الفلسطيني في قطاع غزة.

وكان الفوز بالإجماع من لجنة التحكيم، في سابقة تاريخية للجائزة التي أطلقت عام 2004، إذ أصبحا أول فردين يفوزان بها منذ إنشائها.

ومن بين عشرات الترشيحات التي وصلت إلى الجائزة، اختارت اللجنة تكريم شخصين لم يكتفيا بحفظ التاريخ في ظروف طبيعية، بل حاولا إنقاذه بينما كانت الحرب تهدد بإبادته.

أقيم حفل التكريم في مدينة تشونغجو الكورية الجنوبية في الرابع من سبتمبر، ضمن «يوم جيكجي»، وبلغت قيمة الجائزة 40 ألف دولار.

تحمل الجائزة اسم «جيكجي»، وهو كتاب كوري يعد أقدم كتاب معروف طُبع باستخدام الحروف المعدنية المتحركة، بينما يهدف برنامج «ذاكرة العالم» الذي أطلقته اليونسكو عام 1992 إلى حماية التراث الوثائقي للبشرية من الضياع والتدمير.

لكن الجائزة هذه المرة حملت معها قصة مدينة تعيش حربًا.

قصة أوراق أُخرجت من تحت الركام، ومخطوطات نجت من القصف، ومتطوعين دخلوا أماكن خطرة بحثًا عن صفحات عمرها مئات السنين.

وربما لهذا لا تبدو الجائزة تكريمًا لشخصين فقط.

إنها تكريم لفكرة أن الحرب تستطيع أن تهدم بيتًا، وأن تحرق مكتبة، وأن تدمر مبنى، لكنها لا ينبغي أن تنجح في محو ذاكرة المكان.

حنين العمصي وعبد اللطيف أبو هاشم لم ينقذا أوراقًا قديمة وحسب.لقد حاولا إنقاذ ما تقوله تلك الأوراق عن غزة.

بث مباشر