في ليلة مظلمة فوق أحد أسطح تل أبيب، جلس جنود وضباط استخبارات إسرائيليون أمام الكاميرا. لم تظهر وجوههم الحقيقية، ولم تُسمع أصواتهم كما هي. كانوا يتحدثون عن عملهم داخل منظومة الحرب في غزة، بينما بقيت المدينة من حولهم مضاءة، هادئة، تبدو بعيدة عن المكان الذي يتحدثون عنه.
من هذه الشهادات وُلد فيلم «NAZA»، للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، اللذين سبق أن شاركا في إخراج الفيلم الوثائقي الفائز بالأوسكار «No Other Land».
استغرق إعداد الفيلم قرابة ثلاث سنوات، وجمع خلالها المخرجان شهادات 24 شخصًا من الجيش والاستخبارات الإسرائيلية، معظمهم من العاملين في الاستخبارات والاستهداف. اختار أصحاب الشهادات عدم كشف هوياتهم، ولذلك جرى تصويرهم سرًا وتغيير أصواتهم وملامحهم رقميًا.
في 10 سبتمبر، عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان فينيسيا، بوصفه الفيلم الوثائقي الوحيد في المسابقة الرسمية.
وعندما انتهى العرض، وقف الجمهور وصفق لنحو 24 دقيقة ونصف، في أطول تصفيق يُسجل للفيلم في تاريخ المهرجان، بينما رفع بعض الحاضرين أعلام فلسطين، وبدت علامات التأثر على وجهي المخرجين.
لكن ما يحدث داخل الفيلم أكثر قسوة من مشهد التصفيق.
يقول أبراهام إن الفكرة كانت أن يترك الجنود والضباط يتحدثون بأنفسهم عن الطريقة التي عملت بها «أنظمة القتل» في غزة.
أحد المشاركين يصف نفسه بأنه مجرد «ترس صغير» داخل منظومة أكبر. وآخر يتحدث عن عمل تقني يعتقد أنه بعيد عن لحظة القتل، قبل أن يكتشف أن النظام الذي يعمل فيه يمكن أن يقود في النهاية إلى قصف منزل في غزة.
بحسب الشهادات التي يعرضها الفيلم، استُخدمت أنظمة مراقبة واسعة النطاق للاتصالات في غزة، وربطت هذه البيانات بأدوات تقنية تساعد في تحديد أهداف محتملة.
وتتحدث إحدى الإفادات عن أداة تعتمد على الخرائط وإشارات الهواتف، يمكنها اقتراح مبانٍ في غزة لضربها. الفكرة التي يطرحها الفيلم ليست أن آلة تضغط زر القتل وحدها، وإنما أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من سلسلة طويلة تبدأ بجمع البيانات وتنتهي أحيانًا بصاروخ يسقط على منزل.
وهنا يأتي اسم الفيلم ، NAZA هو اختصار عبري يشير، بحسب الفيلم، إلى «الأضرار الجانبية»؛ أي عدد المدنيين الذين يُتوقع أن يقتلوا في ضربة معينة.
في إحدى الشهادات التي نقلتها «الغارديان» عن الفيلم، يقول مصدر إن موافقة قد تُمنح لقتل ما يصل إلى 500 مدني مقابل استهداف شخص.
لا يقدم الفيلم هذه الأرقام بوصفها حكمًا قضائيًا، وإنما بوصفها شهادات لأشخاص يقولون إنهم عملوا داخل المنظومة.
وهذا التفريق مهم.
فالجيش الإسرائيلي رفض الاتهامات الواردة في الفيلم، وشكك في شهادات المصادر المجهلة، وقال إن إسرائيل تستهدف حماس وليس المدنيين، وإن قرارات الضربات لا تتخذها أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة، بل يوافق عليها بشر. كما يقول الجيش إنه يتخذ إجراءات لتقليل الخسائر بين المدنيين.
لكن المخرجين لا يقدمان الفيلم باعتباره قصة عن «جنود سيئين» فقط، إنهما يحاولان تفكيك سلسلة القتل نفسها: مراقبة، بيانات، خوارزميات، اختيار هدف، تقدير للخسائر، ثم قرار بالضربة.
ولهذا يبدو عنوان الفيلم أكثر من مجرد اسم، فالإنسان الذي يعيش في منزل في غزة لا يظهر في هذه اللغة باعتباره أبًا أو أمًا أو طفلًا له اسم ووجه وحياة، وإنما يمكن أن يظهر في نهاية سلسلة حسابية بوصفه رقمًا متوقعًا ضمن "الأضرار الجانبية".
والفيلم يحاول أن يسأل: ماذا يحدث عندما يصبح قتل الإنسان إجراءً تقنيًا يمكن إدارته من خلف شاشة؟
المفارقة أن جزءًا كبيرًا مما يقدمه «NAZA» ليس جديدًا تمامًا. فالفيلم يستند إلى تحقيقات صحفية سابقة نشرتها Magazine وLocal Call وThe Guardian بين عامي 2023 و2025 حول أنظمة المراقبة والاستهداف الإسرائيلية في غزة.
لكن السينما تفعل شيئًا مختلفًا، إنها تضع وجوهًا إسرائيلية خلف المعلومات، حتى وإن كانت الوجوه مخفية، جنود من داخل المؤسسة يتحدثون عن المؤسسة، أشخاص شاركوا في بناء الأنظمة أو تشغيلها يتحدثون عن نتائجها.
ولهذا قال أبراهام إن كونه إسرائيليًا منحه إمكانية الوصول إلى أشخاص خدموا في الجيش الإسرائيلي ولم يكن من السهل الوصول إليهم لولا هذه الخلفية.
بعد عرض الفيلم، قال أبراهام إنه يأمل أن يدفع العمل الحكومات الغربية إلى الضغط على إسرائيل، بما في ذلك عبر العقوبات، معتبرًا أن استمرار الدعم الخارجي يضعف الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يحاولون الدفع نحو تغيير سياسي واحترام حقوق الإنسان.
أما الجمهور في فينيسيا، فقد قدم ردًا مختلفًا: 25 دقيقة من التصفيق، ماذا يحدث بعد أن تنتهي القاعة من التصفيق؟
فالفيلم يمكن أن يكشف النظام، والصحافة يمكن أن تنقل الشهادات، والسينما يمكن أن تجعلها تصل إلى ملايين المشاهدين.
لكن تحويل المعرفة إلى عدالة يحتاج إلى خطوة أخرى.
أن تتحول الشهادة إلى تحقيق.
والتحقيق إلى مساءلة.
والمساءلة إلى محاسبة.
وهنا ربما تكون القيمة الحقيقية لـ«NAZA» ليست في عدد دقائق التصفيق التي حصل عليها في فينيسيا، بل في قدرته على نقل السؤال من الشاشة إلى خارجها:
إذا كان هناك أشخاص يقولون إنهم رأوا بأعينهم كيف تعمل منظومة الاستهداف، وإذا كانت شهاداتهم تتحدث عن معرفة مسبقة بوجود مدنيين داخل المنازل المستهدفة، وإذا كانت التكنولوجيا قد أصبحت جزءًا من عملية تحديد الأهداف، فمن المسؤول في النهاية عن الإنسان الذي يسقط تحت الصاروخ؟
الفيلم ينتهي.
تُطفأ شاشة السينما.
ويغادر الجمهور القاعة.
لكن في غزة، لا تنتهي الأسئلة مع نهاية العرض.
هناك بيت كان موجودًا قبل أن يتحول إلى هدف.
وعائلة كانت تعيش داخله قبل أن تتحول إلى رقم.
وهناك منظومة كاملة يحاول «NAZA» أن يجعل العالم ينظر إليها من الداخل.
ويبقى الاختبار الأصعب للفيلم خارج قاعة فينيسيا:
هل سيكتفي العالم بأن يعرف، أم سيقرر أخيرًا ماذا سيفعل بما عرف؟