قائمة الموقع

عملية الكتيبة.. اختبار سياسي يتجاوز حدود الاشتباك الميداني

2026-09-03T13:20:00+03:00
الرسالة نت - متابعة

لم تكن العملية الإسرائيلية في منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، في الأول من سبتمبر/أيلول، مجرد عملية أمنية لاستهداف مسؤول في جهاز الأمن الداخلي، بل حملت في توقيتها ونتائجها أبعادًا سياسية تتجاوز حدود الاشتباك الميداني. فبين اعتقال مسؤول أمني بارز، والقصف الجوي الكثيف الذي رافق العملية، تبرز أسئلة أكبر تتعلق بقدرة اتفاق وقف إطلاق النار على الصمود، وحدود العمليات الإسرائيلية داخل القطاع، ومدى ارتباط التطورات الميدانية بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل.

 

خطورة العملية لا تكمن فقط في هوية الشخص المستهدف، وإنما في أنها جرت داخل منطقة سكانية مكتظة خلال فترة يفترض أنها تخضع لترتيبات وقف إطلاق النار. وهنا تتحول الحادثة من واقعة أمنية محدودة إلى اختبار جديد للاتفاق الذي يتحول تدريجيا الي إدارة الصراع.

 

من هذه الزاوية، تكشف عملية الكتيبة عن هشاشة الترتيبات القائمة أكثر مما تكشف عن استقرارها. فإذا كانت إسرائيل تحتفظ بالقدرة والاستعداد لتنفيذ عمليات خاصة داخل مناطق مأهولة، وتستخدم القوة الجوية لحماية قواتها عند انكشافها، فإن ذلك يعني أن وقف إطلاق النار لم يؤدِّ بعد إلى إنهاء البيئة الأمنية التي أنتجت الحرب، بل نقل جزءًا من المواجهة من العمليات العسكرية الواسعة إلى العمل الاستخباري والأمني المحدود.

 

وفي المقابل، فإن رد الفعل الفلسطيني يحمل دلالة سياسية أيضًا. فالعملية أظهرت أن الأجهزة الأمنية في غزة ما زالت قادرة، ولو جزئيًا، على اكتشاف تحركات قوة إسرائيلية والاشتباك معها، لكنها أظهرت كذلك هشاشة البيئة الأمنية أمام التفوق الاستخباري والعسكري الإسرائيلي.

وقد أكدت وزارة الداخلية في غزة أن استهداف جهاز الأمن الداخلي يمثل محاولة لإضعاف المنظومة الأمنية ونشر الفوضى، وطالبت الوسطاء والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار بالتدخل.

 

البعد الإسرائيلي الداخلي

 

التوقيت السياسي للعملية لا يقل أهمية عن بعدها الأمني. فإسرائيل تتجه إلى انتخابات عامة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، فيما يخوض بنيامين نتنياهو معركة سياسية معقدة للحفاظ على موقعه داخل معسكر اليمين. وتواجه حكومته منافسة من أحزاب وشخصيات يمينية تسعى إلى استقطاب القاعدة نفسها، ما يجعل الأمن وقطاع غزة تحديدًا عنصرًا مركزيًا في الخطاب الانتخابي.

 

في هذا السياق، يمكن لعملية من نوع الكتيبة أن تقدم لنتنياهو مكسبًا سياسيًا قابلًا للتسويق أمام الجمهور الإسرائيلي: القدرة على الوصول إلى مسؤول أمني بارز في عمق مدينة غزة، وتقديم العملية باعتبارها دليلًا على استمرار التفوق الاستخباري والعسكري الإسرائيلي حتى في ظل وقف إطلاق النار.

 

وهنا تكمن المفارقة السياسية. فنتنياهو يحتاج إلى وقف إطلاق النار كي يقدمه كإنجاز سياسي يخفف كلفة الحرب، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى إثبات أن إسرائيل لم تتخلَّ عن قدرتها على استخدام القوة وأنها ما زالت قادرة على ملاحقة خصومها داخل غزة. ولذلك فإن العمليات المحدودة قد توفر له صيغة وسطية: الحفاظ على مستوى من الهدوء، مع إنتاج إنجازات أمنية دورية يمكن توظيفها داخليًا.

 

غير أن هذه المعادلة تحمل مخاطره أيضا فالعملية التي تمنح نتنياهو رصيدًا سياسيًا قصير الأمد قد تفرض كلفة استراتيجية على اتفاق وقف إطلاق النار إذا اعتبرها الطرف الفلسطيني والوسطاء خرقًا لترتيباته.

وكلما تكررت العمليات الإسرائيلية داخل غزة، أصبح من الصعب الفصل بين «الاستثناء الأمني» وبين العودة التدريجية إلى منطق العمل العسكري.

 

بين الإنجاز التكتيكي والمخاطرة الاستراتيجية

 

ومن هنا يصعب تقييم عملية الكتيبة بمعيار النجاح الأمني وحده. إسرائيل حققت هدفًا مهمًا باعتقال شخصية أمنية بارزة، لكن العملية كشفت في الوقت نفسه عن استمرار قابلية البيئة الميدانية للانفجار. أما القصف المكثف الذي رافقها، فيشير إلى أن أي عملية محدودة يمكن أن تتحول سريعًا إلى مواجهة أوسع إذا انكشف منفذوها.

 

والأهم سياسيًا أن العملية تضع الوسطاء أمام اختبار جديد: هل يستطيعون منع العمليات المحدودة من التحول إلى سلسلة من الخروقات المتبادلة، أم أن وقف إطلاق النار سيتحول تدريجيًا إلى اتفاق هش بينما تستمر العمليات الأمنية والعسكرية على الأرض؟

 

في المحصلة، تبدو عملية الكتيبة أقرب إلى مؤشر على مرحلة انتقالية غير مستقرة: حرب واسعة توقفت، لكن أدوات الصراع لم تختفِ؛ والاتفاق قائم، لكن تفسير حدوده ما زال موضع نزاع؛ ونتنياهو يستعد لمعركة انتخابية يحتاج فيها إلى الإنجازات الأمنية، بينما تحتاج ترتيبات ما بعد الحرب إلى خفض مستوى التصعيد.

 

ومن هنا، فإن أهمية العملية لا تتحدد بعدد المعتقلين أو حجم الغارات، بل بما إذا كانت ستبقى حادثة أمنية معزولة، أم ستصبح نموذجًا لمرحلة جديدة من وقف إطلاق النار المسلح هدوء هش تتخلله عمليات إسرائيلية محدودة وردود فلسطينية، إلى أن تتغلب الحسابات السياسية والعسكرية على قدرة الوسطاء على تثبيت الاتفاق.

 

اخبار ذات صلة