لا تبدو العملية الخاصة التي نفذتها قوة إسرائيلية في منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، الثلاثاء، مجرد حادث أمني عابر، إذ تفتح طبيعتها وتوقيتها وأساليب تنفيذها الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز الشخص المستهدف إلى طبيعة المواجهة التي تتشكل في القطاع خلال مرحلة ما بعد الحرب ووقف إطلاق النار.
ووفق المعطيات المتداولة، دخلت قوة (إسرائيلية) إلى منطقة مأهولة في الكتيبة، مستهدفة أحد عناصر الأجهزة الأمنية في غزة، قبل أن ينكشف أمرها ويقع اشتباك معها، فيما تحدثت الروايات عن استخدام غطاء جوي كثيف خلال عملية الانسحاب.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن أهمية العملية لا تكمن فقط في نتيجتها المباشرة، وإنما في الأسئلة التي تركتها خلفها، وفي مقدمتها: لماذا تخاطر إسرائيل بتنفيذ عملية من هذا النوع داخل منطقة مكتظة؟ ولماذا في هذا التوقيت تحديدًا؟
ويشير عفيفة إلى أن توقيت العملية يكتسب أهمية خاصة مع اقتراب الانتخابات (الإسرائيلية)، إذ قد يسعى رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو إلى تقديم عمليات نوعية داخل غزة باعتبارها إنجازات أمنية وعسكرية، ودليلًا على استمرار قدرة (إسرائيل) على الوصول إلى أهداف محددة داخل القطاع.
لكنه يحذر من اختزال العملية في البعد الانتخابي، معتبرًا أن الجانب الأكثر أهمية يرتبط بمحاولة الأجهزة الأمنية (الإسرائيلية) إعادة بناء بنك معلوماتها عن غزة بعد الحرب.
فالبنية الأمنية والعسكرية في القطاع تعرضت خلال الحرب لضربات واسعة، طالت قيادات ومواقع وهياكل عمل، ما فرض على مختلف الأطراف إعادة ترتيب آليات الحركة والاتصال والحماية.
ومن هنا، يقول عفيفة، قد يكون الأسر، في بعض الحالات، أكثر قيمة استخبارية من الاغتيال، لأن الشخص المستهدف قد يمثل مدخلًا إلى معلومات حول طبيعة إعادة بناء المنظومة الأمنية، والمسؤوليات الجديدة، وطرق انتقال الأوامر، وآليات العمل التي تطورت بعد الحرب.
من الوصول إلى تأمين الخروج
وتطرح العملية سؤالًا آخر يتعلق بمعيار نجاح العمليات الخاصة.
فالوصول إلى الهدف يمثل مرحلة من مراحل العملية، لكنه لا يعني بالضرورة أن المهمة بأكملها جرت بسهولة، إذ إن قدرة القوة على تأمين الانسحاب من بيئة حضرية معادية تمثل جزءًا أساسيًا من نجاح أي عملية من هذا النوع.
وبحسب القراءة التي قدمها المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، فإن الحديث عن وصول القوة إلى هدفها ثم مواجهتها باشتباك واضطرارها إلى استخدام غطاء جوي كثيف أثناء الانسحاب، إن تأكدت هذه المعطيات، قد يكشف عن فجوة بين القدرة على الاختراق والوصول وبين القدرة على تأمين الخروج.
وهنا قد تكون العملية اختبارًا متبادلًا للقدرات؛ فمن الجانب (الإسرائيلي) تشمل العملية جمع المعلومات، وتحديد الهدف، والوصول إليه، والتنكر والتمويه، وتنفيذ المهمة، ثم تأمين الانسحاب، بينما تشمل من الجانب الفلسطيني اكتشاف القوة، وتحديد اتجاه حركتها، والاستجابة لها، والاشتباك معها، وتحويل عملية الانسحاب إلى تحدٍ ميداني.
وبالتالي، لا تبدو النتيجة بالضرورة ثنائية بين نجاح (إسرائيلي) وفشل فلسطيني أو العكس، وإنما نتيجة مركبة تكشف نقاط قوة وضعف لدى الطرفين.
مستوى الاختراق
وتبقى طبيعة القوة التي نفذت العملية من الأسئلة المفتوحة.
فإذا ثبت استخدام مركبات مدنية أو الاستعانة بعناصر محلية، فإن ذلك يضيف بعدًا استخباريًا مهمًا للعملية، إذ إن القدرة على الحركة داخل منطقة مأهولة دون إثارة الانتباه قد تعني امتلاك معلومات دقيقة عن البيئة المستهدفة، أو الاستفادة من معرفة محلية بطبيعة المنطقة وحركة الأشخاص فيها.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي الدكتور إياد القرا أن الاستعانة بمجموعات أو مليشيات مرتبطة بالاحتلال، إذا ثبتت، لا تغير من طبيعة العملية، باعتبار أن المعيار الأساسي هو الجهة التي تخطط وتوجه وتوفر الغطاء وتملك المصلحة السياسية والأمنية.
ويضع القرا العملية في إطار أوسع، معتبرًا أن (إسرائيل) تسعى إلى إبقاء قطاع غزة في حالة هشاشة أمنية حتى بعد تراجع العمليات العسكرية الواسعة، عبر الانتقال تدريجيًا من القصف والاجتياح إلى الاغتيالات والاختراقات الأمنية والعمل الاستخباري وتوظيف الوكلاء.
استهداف الأمن الداخلي
ويكتسب استهداف عنصر من الأجهزة الأمنية أهمية خاصة، بحسب القرا، لأن الأجهزة الأمنية في غزة تعرضت طوال الحرب لاستهداف مباشر شمل قيادات وكوادر وعناصر، إلى جانب تدمير مقار وإمكانات وإعاقة قدرتها على العمل.
ويرى أن استهداف أفراد معروفين بانتمائهم للأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية ويمارسون مهامهم بصورة معلنة، يعزز فرضية أن العمليات (الإسرائيلية) لا تستهدف أفرادًا بعينهم فحسب، وإنما تطال البنية الأمنية القائمة في القطاع.
ويقول القرا إن (إسرائيل) تتعامل مع هذه الأجهزة باعتبارها جزءًا من منظومة السيطرة الداخلية في غزة، وبالتالي فإن إضعافها قد يخدم هدفًا أوسع يتمثل في إرباك الجبهة الداخلية وخلق فراغ أمني يمكن استثماره لاحقًا.
وهنا تتقاطع العملية الأمنية مع السؤال السياسي الأوسع: من يمتلك الأمن والنظام في غزة خلال المرحلة الانتقالية؟
فإضعاف الأجهزة القائمة دون وجود بديل قادر على ملء الفراغ قد يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى، ويجعل الأمن الداخلي نفسه أحد ميادين الصراع على مستقبل القطاع.
غزة.. بيئة جديدة لمعركة استخبارية
ويشير عفيفة إلى أن التغيرات الجغرافية والديموغرافية التي فرضتها الحرب جعلت البيئة الأمنية في غزة أكثر تعقيدًا.
فمع انحسار المساحة التي يتحرك فيها السكان وارتفاع الكثافة السكانية في المناطق المتاحة، تصبح الحركة والتمويه أكثر صعوبة، بينما تصبح الأنماط المتكررة في السلوك والتنقل والاتصال أكثر قابلية للرصد والتحليل.
وبذلك، لم تعد الجغرافيا مجرد خلفية للمعركة، وإنما أصبحت جزءًا من المعركة الاستخبارية نفسها.
ويرى عفيفة أن أخطر ما يمكن فعله في هذه البيئة هو الاستمرار في إدارة العمل الأمني بأدوات وأساليب ما قبل الحرب، لأن منظومة الحماية والحركة والاتصال التي كانت مناسبة في السابق قد لا تكون ملائمة للواقع الجديد.
اختبار لوقف إطلاق النار
ولا تنفصل العملية عن السؤال المتعلق بحدود وقف إطلاق النار.
فإذا كانت (إسرائيل) تعتبر أن الاتفاق لا يمنعها من تنفيذ عمليات ضد أشخاص تصنفهم باعتبارهم تهديدًا، في حين ترى الفصائل الفلسطينية أن هذه العمليات خرق للاتفاق، فإن الخلاف يتجاوز حادثة الكتيبة إلى قواعد الاشتباك التي تحكم المرحلة الانتقالية.
ويصبح الاتفاق أكثر هشاشة عندما لا تكون هناك آلية واضحة لتعريف الخروقات والتعامل معها، أو جهة قادرة على الفصل في النزاعات.
ومن هنا، فإن العملية لا تضع الأطراف المحلية أمام اختبار أمني فقط، وإنما تضع الوسطاء والجهات الضامنة أمام اختبار عملي: هل يملكون القدرة على حماية الاتفاق ومنع تحول الخروقات إلى نمط دائم؟
الأمن في خدمة السياسة
ويرى القرا أن البعد السياسي حاضر بقوة في توقيت العملية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات (الإسرائيلية).
فنتنياهو، وفق هذه القراءة، يحتاج إلى تقديم نفسه أمام الجمهور (الإسرائيلي) باعتباره قادرًا على مواصلة ملاحقة خصوم إسرائيل داخل غزة، وتنفيذ عمليات نوعية رغم تغير طبيعة الحرب.
وبذلك تصبح العملية ذات وظيفتين متداخلتين: إضعاف الوضع الأمني في غزة من جهة، وإنتاج إنجاز يمكن تسويقه سياسيًا داخل (إسرائيل) من جهة أخرى.
لكن البعد الانتخابي لا يلغي القيمة الاستخبارية للعملية، إذ إن أي عملية ناجحة يمكن أن توفر معلومات جديدة حول طبيعة إعادة بناء المنظومة الأمنية في القطاع، وهو ما يجعل العمل الاستخباري أحد أبرز ساحات المواجهة المقبلة.
حرب أمنية
في المحصلة، تبدو عملية الكتيبة أقرب إلى اختبار مركب لقدرات الاستخبارات والقوات الخاصة والأمن المضاد والانتشار الجوي وقواعد الاشتباك، أكثر من كونها مجرد عملية اعتقال أو اغتيال.
فمن الجانب (الإسرائيلي)، تعكس العملية محاولة للحفاظ على القدرة على الوصول إلى أهداف محددة داخل غزة، حتى في ظل تغير طبيعة المرحلة.
ومن الجانب الفلسطيني، فإن اكتشاف القوة والاشتباك معها، وما يقال عن حاجتها إلى غطاء جوي كثيف أثناء الانسحاب، يطرح تساؤلات حول حدود قدرة القوات (الإسرائيلية) على تنفيذ عمليات خاصة داخل بيئة حضرية معادية دون تحمل مخاطر ميدانية.
ويقول عفيفة إن النتيجة الأهم قد لا تكون في معرفة ما إذا كانت العملية نجحت أو فشلت، وإنما في الإنذار الذي تحمله: مرحلة العمليات الأمنية الخاصة لم تنتهِ، وربما تكون بدأت تأخذ شكلًا جديدًا.
أما القرا فيرى أن ما يجري يمثل انتقالًا تدريجيًا من الحرب العسكرية المفتوحة إلى عمليات أمنية واستخبارية أكثر تعقيدًا، تستهدف بنية الأمن الداخلي في غزة، وتحاول إسرائيل من خلالها إبقاء القطاع في حالة اضطراب.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل كانت عملية الكتيبة حالة استثنائية فرضتها ظروف محددة، أم أنها مؤشر على نمط جديد من العمليات الإسرائيلية داخل غزة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تتحدد من خلال العملية وحدها، وإنما من خلال ما سيأتي بعدها: هل تتكرر عمليات استهداف عناصر الأمن؟ هل يزداد استخدام التمويه والعمل داخل المناطق المأهولة؟ وهل يصبح الغطاء الجوي الكثيف جزءًا ثابتًا من عمليات محدودة على الأرض؟
عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كانت الكتيبة مجرد حادثة أمنية، أم أنها كانت إشارة مبكرة إلى شكل جديد من الصراع في غزة.
عملية الكتيبة.. اختراق أمني أم اختبار (إسرائيلي) لترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار؟
الرسالة نت - خاص