تتزايد شكاوى الغزيون بشأن تجميد حسابات مصرفية وحجز أموالهم في إجراءات يقول أصحابها إنها تمت من دون إشعارات مسبقة أو توضيحات كافية حول أسباب اتخاذها.
وبينما ترتبط الحسابات المصرفية بشكل مباشر باحتياجات الناس اليومية والتزاماتهم المالية، يجد بعض أصحابها أنفسهم أمام أموال لا يستطيعون الوصول إليها، من دون معرفة واضحة بموعد انتهاء التجميد أو آلية الاعتراض عليه.
القضية لا تتوقف عند حدود الحسابات المجمدة، بل تمتد إلى طبيعة الإجراءات التي تتخذ قبل الوصول إلى هذا القرار، وما إذا كانت عمليات التحقق من العملاء تقتصر على معاملاتهم وحركاتهم المالية أم تتسع لتشمل معلومات عن أنشطتهم وعلاقاتهم ودوائر معارفهم.
وبينما تطرح هذه الإفادات تساؤلات حول آليات اتخاذ قرارات تجميد الحسابات وحماية حقوق أصحابها، يذهب آخرون إلى الكشف عن أن البنك يبني منظومة داخلية لجمع المعلومات والتحقق من خلفيات العملاء وعلاقاتهم، مطالبا بتوضيح الأساس القانوني لهذه الممارسات وطبيعة المعلومات التي تجمع والجهات التي يمكن أن تصل إليها.
تساؤلات تحتاج إجابة
الشاب أحمد سرداح، أحد الأشخاص الذين يقولون إن بنك فلسطين جمّد حساباتهم مؤخرا، يتساءل عن الأساس الذي بُني عليه القرار، قائلا: "نسمع أن بنك فلسطين عامل ذراع أمني استخباراتي، مهامه عبارة عن موظفين مكلفين بالبحث والتحري عن العملاء المشتبه بعلاقاتهم السياسية، وجمع معلومات من دوائر معارفهم حول أنشطتهم وعلاقاتهم".
ويضيف سرداح: "أنا واحد من الآلاف الذين أغلق بنك فلسطين حساباتهم منذ نحو ثلاثة أشهر من دون إشعار أو سبب أو توضيح. بالنسبة لي، السؤال بسيط: لماذا أُوقف الحساب؟ ولماذا حُجزت أموالي؟ نحن نتحدث عن أموال شخصية يعتمد عليها أصحابها في حياتهم والتزاماتهم، وليس من الطبيعي أن يبقى المواطن بلا إجابة واضحة حول مصير أمواله".
وفي حديثه عن احتمال ارتباط الإجراءات بما ينشره المواطنون على منصات التواصل الاجتماعي، يقول سرداح: "يعني معقول هالذراع الأمني دخل على حسابي في فيسبوك، وشافني بحكي عن جرائم الاحتلال في غزة وبنظهر للعالم جزءا من صورة أبطالنا اللي ضحوا بأرواحهم من أجل البلد؟ هل بناءً على ذلك يتم تقييمي باعتباري عميلا إرهابيا خطيرا على البنك الوطني؟ وإذا كان هذا هو السبب، فأين المعايير الواضحة التي تحدد ذلك؟".
ويختم متسائلا: "حد من بنك فلسطين يحكيلنا: ليش وقفتوا حساباتنا؟ وليش حاجزين على أموالنا؟ وإذا كانت الأموال موجودة عندكم وبتستثمروا فيها وبتكبروا أرباحكم وملياراتكم، إحنا ليش بنكبر ديوننا وهمومنا بسببكم؟".
عمل استخباراتي!
بدوره، يقول رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، إن ما يجري في بنك فلسطين يتجاوز نطاق العمل المصرفي التقليدي، موضحا: "البنك يصر على تجاوز حدود العمل المصرفي التقليدي، حيث بنى منذ أشهر ذراعا أمنية داخلية تتولى مهام أقرب إلى العمل الاستخباراتي".
ويضيف: "موظفون مكلفون بالبحث والتحري عن العملاء المشتبه بعلاقاتهم السياسية وجمع معلومات من دوائر معارفهم حول أنشطتهم وعلاقاتهم والتواصل معهم واستجوابهم بشأن حركاتهم المالية".
ويلفت عبده إلى أن البنك، شكّل لجنة من الموظفين الموثوقين تتلقى التدريبات –بعضها عن بعد– من ضباط مخابرات أمريكية وإسرائيلية، وأن مهمة اللجنة تتمثل في متابعة الحسابات والتحري عنها.
ويقول إن اللجنة تضم موظفين داخل غزة وآخرين خارجها، وإن الأمر وصل إلى إرسال موظفين في زيارات ميدانية إلى أنشطة تجارية للتحقق من أصحابها وطبيعة علاقاتهم، وصولا إلى تجميد الحسابات أو إغلاقها وحجز الأموال بناء على نتائج تلك التحريات.
ويؤكد عبده أن القضية لا تتعلق بمجرد تطبيق إجراءات مصرفية لمكافحة غسل الأموال أو التحقق من مصادر الأموال، قائلا: "نحن هنا لا نتحدث عن إجراءات امتثال مصرفي عادية وإنما عن منظومة تحري وجمع معلومات ومراقبة ميدانية تثير أسئلة خطيرة، منذ متى أصبح موظف البنك محققا أمنيا؟ وبأي سند يجري التحقيق في علاقات العملاء وانتماءاتهم خارج نطاق معاملاتهم المصرفية؟ ومن يحدد معيار الاشتباه ومع من تُشارك المعلومات التي يتم جمعها؟".
كما دعا عبده الجهات المحلية التي ما زالت تمارس مهام إنفاذ القانون في غزة إلى مراقبة فرق جمع المعلومات الميدانية التابعة للبنك، قائلا إن ذلك ينبغي أن يشمل فحص خلفيات وارتباطات بعض الموظفين والتحقق من أن المعلومات التي يتم جمعها من المواطنين تقع ضمن الصلاحيات القانونية للمؤسسة المصرفية.
وفي السياق ذاته، نشرت منصة نيوز الإخبارية كشوفات قال إنها تضم مئات الغزيين الذين حجزت أموالهم من بين آلاف آخرين، مشيرا إلى أن تلك الإجراءات ارتبطت بتعليمات أمنية إسرائيلية وفلسطينية أو بفحص أمني يجريه البنك أو بجمع معلومات أمنية.
ولم تضم الكشوفات التي نشرتها المنصة، مبتدرا واحدا أو تاجر حرب، في حين تظهر الكشوفات الآلاف من عائلات الشهداء والأسرى والأيتام.
وتضع هذه التصريحات قضية تجميد الحسابات في غزة أمام أسئلة تتجاوز الحالات الفردية، أبرزها، ما المعايير التي تعتمدها البنوك عند اتخاذ قرار التجميد أو الإغلاق؟ وما حدود جمع المعلومات عن العملاء؟ ومتى يتحول التحقق المصرفي من إجراء مالي مشروع إلى مراقبة تتعلق بالحياة الخاصة أو النشاط السياسي؟.
كما تبرز الحاجة إلى إجابات رسمية وموثقة من بنك فلسطين والجهات الرقابية والقانونية المعنية بما يتيح التحقق من طبيعة الإجراءات المتبعة وأسباب تجميد الحسابات والأساس القانوني لحجز أموال أصحابها والضمانات المتاحة لهم للاعتراض واستعادة أموالهم.