قائمة الموقع

الجاليات الفلسطينية بأوروبا: غموض آليات الانتخابات يفرض حوارًا وطنيًا

2026-08-17T09:38:00+03:00
الرسالة نت- محمود هنية

أكد عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا "اجمع"، الناشط السياسي والمحامي فؤاد بكر، أن الدعوة لإجراء الانتخابات الفلسطينية ما تزال محاطة بجملة من الإشكاليات القانونية والفنية والسياسية، خصوصًا فيما يتعلق بقطاع غزة والقدس والفلسطينيين في الخارج، داعيًا إلى حوار وطني شامل لمعالجة هذه القضايا قبل المضي في أي ترتيبات انتخابية.

وقال بكر خلال مشاركة له في لقاء "الصالون السياسي"؛ الذي تنظمه مؤسسة الرسالة للإعلام؛

إن هناك تفاصيل عملية لم تُحسم حتى الآن بشأن مشاركة الفلسطينيين في القدس، موضحًا أن التصويت في ضواحي القدس يمكن أن يجري وفق الآليات المعمول بها، لكن الإشكالية تبرز في مناطق أخرى، مشيرًا إلى وجود نحو 6300 ناخب يحتاجون إلى قرابة ستة صناديق اقتراع، دون أن تتضح حتى الآن كيفية معالجة هذا الملف.

غزة والتسجيل الانتخابي

ورأى بكر أن المعضلة الأكبر تتعلق بقطاع غزة، في ظل التحولات السكانية الكبيرة التي فرضتها الحرب، وعدم وجود بيانات انتخابية محدثة تحدد بصورة دقيقة من بقي على قيد الحياة ومن استشهد، إلى جانب أعداد الفلسطينيين الذين غادروا القطاع خلال الحرب ولا تزال قيودهم الانتخابية مسجلة فيه.

وأوضح أن التقديرات الأولية تشير إلى وجود نحو مليوني فلسطيني داخل قطاع غزة، بينهم قرابة مليون ممن يمكن التواصل معهم، مقابل أعداد كبيرة من أبناء القطاع الموجودين خارجه بينما لا تزال قيودهم مسجلة في غزة.

وأشار إلى أن إجراء عملية انتخابية واسعة داخل القطاع قد يحتاج إلى نحو 1200 صندوق اقتراع، معتبرًا أن هذه التفاصيل تشكل تحديًا حقيقيًا يجب الاتفاق مسبقًا على كيفية التعامل معه.

وقال: "لهذا ندعو إلى حوار وطني للتفاهم على هذه النقاط"، مشددًا على أن الدخول في أي استحقاق دون معالجة ملفات السجل الانتخابي والناخبين الموجودين خارج مناطق تسجيلهم قد يخلق مشكلات كبيرة في التمثيل.

132 بالانتخاب و68 لضمان الشراكة

وتطرق بكر إلى الطروحات المتداولة بشأن تشكيل مجلس تشريعي من 200 عضو، موضحًا أن التصور الذي يجري الحديث عنه يقوم على انتخاب 132 عضوًا، فيما تبقى 68 مقعدًا يجري البحث في كيفية شغلها بما يحافظ على تمثيل القوى والفصائل الفلسطينية المختلفة.

وبيّن أن هؤلاء الأعضاء سيكونون محسوبين ضمن المجلس الوطني وفي الوقت ذاته داخل تركيبة المجلس التشريعي، وأن النقاش يدور حول الاستفادة من المقاعد المتبقية لضمان تمثيل بعض الفصائل، خصوصًا القوى الصغيرة التي قد لا تتمكن من تجاوز نسبة الحسم في الانتخابات.

وأضاف أن أحد الطروحات المتداولة يقوم على تخصيص هذه المقاعد، أو جزء منها، بما يحفظ "الشراكة الوطنية" ويحول دون خروج أي طرف فلسطيني من المنظومة السياسية.

وشدد بكر على أن الانتخابات، وفق رؤيته، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أداة لتداول السلطة فقط، وإنما مدخلًا لبناء شراكة وطنية تضمن وجود مختلف المكونات الفلسطينية داخل المؤسسة السياسية.

وقال: "من يفهم الانتخابات فقط على أنها تداول للسلطة فهو مخطئ؛ يجب أن تكون للشراكة بحيث نضمن عدم خروج أحد خارج المنظومة".

نظام يحتاج إلى توضيح

وأشار بكر إلى أن الجمع بين عضوية المجلس الوطني والمجلس التشريعي يطرح بدوره تساؤلات حول شكل النظام السياسي الفلسطيني وآليات عمل مؤسساته، خصوصًا في ظل موقع المجلس المركزي والعلاقة بين المؤسسات المختلفة.

وأكد أن الرؤية المطروحة حتى اللحظة "ليست واضحة"، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى حوار وطني يحدد بصورة دقيقة صلاحيات المؤسسات وطريقة تشكيلها والعلاقة بينها.

وأضاف أن انتخابات المجلس الوطني، بحسب التصورات المتداولة، قد لا تجري بالطريقة التقليدية المباشرة في جميع أماكن وجود الفلسطينيين، وإنما من خلال "تجمعات انتخابية" تضم شخصيات ونشطاء ومفكرين وممثلين عن اللاجئين والمجتمعات الفلسطينية، على أن تتولى هذه التجمعات اختيار ممثليها في المجلس الوطني.

ولفت إلى أن بعض الدول، ومنها لبنان، تضع شروطًا على ممارسة النشاط السياسي والانتخابي، وهو ما يستدعي البحث عن آليات تراعي أوضاع الفلسطينيين في كل دولة وتحافظ في الوقت نفسه على أوسع مشاركة ممكنة.

وأكد أن التفاصيل النهائية لهذه الآليات لم تتضح بعد، وأن الحديث عن إضافة 68 عضوًا لا يزال، وفق ما لديه من معلومات، في إطار النقاش ولم يتحول إلى صيغة نهائية محسومة.

أوروبا انتفضت من أجل غزة

وفي حديثه عن الفلسطينيين في أوروبا، شدد بكر على أن الجاليات والنشطاء الفلسطينيين كانوا طوال فترة الحرب حاضرين في الميدان إلى جانب المتضامنين مع الشعب الفلسطيني، معتبرًا أن الحراك الأوروبي تجاوز مرحلة الأنشطة الرمزية والمؤتمرات المغلقة.

وقال إن أوروبا شهدت خلال الفترة الماضية "انتفاضة حقيقية" تضامنًا مع غزة، امتدت إلى المدن والقرى والجامعات والساحات، وشارك في بعض فعالياتها عشرات ومئات الآلاف، إلى جانب تنظيم أنشطة نوعية هدفت إلى نقل الرواية الفلسطينية والضغط من أجل وقف الحرب.

وأضاف أن كثيرًا من النشطاء الفلسطينيين في أوروبا لا ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها "الدواء الناجع" للأزمة الفلسطينية، بل يخشى بعضهم من أن تؤدي عملية غير متوافق عليها إلى زيادة تعقيد المشهد وصرف الاهتمام عن الأولوية المتمثلة في إنقاذ غزة.

واعتبر أن الفلسطينيين ونشطاء التضامن في أوروبا يؤدون اليوم دورًا مهمًا في نقل "أوجاع الشعب الفلسطيني" إلى المجتمعات الغربية، مؤكدًا أن أي مبادرة سياسية لا تضع إنقاذ غزة والقضية الفلسطينية في مقدمة أولوياتها ستواجه تحفظات واسعة في أوساط الجاليات.

وشدد على أن تمثيل الفلسطينيين في أوروبا يجب أن يعكس القوى والفعاليات الموجودة فعليًا في الميدان، وأن تكون المشاركة الوطنية مرتبطة بمن حافظ على حضوره وعمله من أجل فلسطين خلال السنوات الماضية، لا أن تتحول إلى ترتيبات تجري بعيدًا عن الفاعلين الحقيقيين في المجتمعات الفلسطينية.

ماذا عن فلسطينيي الخليج؟

وتوقف بكر عند إشكالية أخرى تتعلق بالجاليات الفلسطينية في دول الخليج، حيث توجد أعداد كبيرة من الفلسطينيين الذين لا تسمح ظروف إقامتهم والقوانين المنظمة للعمل السياسي في بعض الدول بممارسة أنشطة انتخابية علنية أو تنظيم حملات وبرامج سياسية.

وأوضح أن هذه الفئة قد تجد نفسها مهمشة في حال اعتماد آليات انتخابية موحدة لا تراعي خصوصية كل دولة، مشيرًا إلى أن الأمر قد يصل إلى عدم القدرة على عرض البرامج الانتخابية أو ممارسة نشاط سياسي منظم.

وأكد أن هذه المسألة تستدعي إيجاد صيغة تضمن حق الفلسطينيين في الخارج بالتمثيل، مع احترام القوانين والظروف الخاصة بالدول التي يعيشون فيها.

تخبط بين الدستور وقانون الأحزاب والانتخابات

وأشار بكر إلى أن النقاش الفلسطيني خلال الفترة الماضية تنقل بين عدة ملفات، بدءًا من الحديث عن دستور، مرورًا بقانون للأحزاب، وصولًا إلى الانتخابات، معتبرًا أن عدم حسم هذه القضايا يعكس حالة من التخبط السياسي والقانوني.

وقال إن قانون الأحزاب الذي جرى الحديث عنه سابقًا "وُضع في الأدراج ولم يعرض للاستفتاء"، فيما انتقل النقاش لاحقًا إلى ملفات أخرى، معتبرًا أن هذا التبدل المتكرر يثير تساؤلات حول وجود رؤية فلسطينية متكاملة لإعادة بناء النظام السياسي.

وربط بكر ذلك بما وصفه بضغوط خارجية تتعرض لها السلطة الفلسطينية وتدفع باتجاه اتخاذ مواقف وترتيبات مختلفة، مؤكدًا ضرورة أن يكون إصلاح النظام السياسي نابعًا من توافق وإرادة فلسطينية وليس استجابة لضغوط خارجية.

العلاقة بين السلطة وإدارة غزة ومجلس السلام

وتطرق بكر إلى مستقبل إدارة قطاع غزة، مشيرًا إلى وجود تعقيدات إضافية مرتبطة بالعلاقة بين السلطة الفلسطينية و"مجلس السلام" وإدارة التكنوقراط في القطاع.

وقال إن السلطة الفلسطينية ليست ممثلة مباشرة في مجلس السلام، فيما تقوم إدارة غزة بدور حلقة الوصل في الترتيبات القائمة، وهو ما يضيف، بحسب رأيه، مزيدًا من الأسئلة حول شكل النظام السياسي الفلسطيني وعلاقته بالترتيبات المفروضة على قطاع غزة.

الانتخابات مدخل للشراكة لا للإقصاء

وخلص بكر إلى أن الحالة الفلسطينية الاستثنائية تجعل خيارات التغيير محدودة، مشيرًا إلى ثلاثة مسارات رئيسية يمكن من خلالها إحداث تغيير سياسي: الاستفتاء أو الانتخابات أو الانقلاب.

واستبعد خيار الانقلاب باعتباره سيؤدي إلى تعميق الانقسام الفلسطيني، كما رأى أن اللجوء إلى الاستفتاء في ظل الظروف الراهنة يحمل مخاطر كبيرة وقد يقود إلى صدام داخلي لا يريده الفلسطينيون.

وأكد أن الانتخابات تبقى الخيار الممكن، لكن بشرط ألا تتحول إلى وسيلة لإقصاء أي مكون فلسطيني أو فرض واقع سياسي جديد، وإنما تكون أداة لبناء شراكة وطنية واسعة.

وختم بكر بالتأكيد على أن المطلوب في المرحلة الراهنة هو إبقاء الجميع داخل المؤسسة والصوت الوطني الفلسطيني، ومعالجة الثغرات المتعلقة بغزة والقدس والشتات وآليات اختيار أعضاء المجلس الوطني قبل الانتقال إلى التنفيذ، معتبرًا أن الحوار الوطني الواضح والشفاف يمثل الطريق الضروري لضمان عملية تحافظ على الشراكة الفلسطينية بدل أن تنتج خلافات وانقسامات جديدة.

 

اخبار ذات صلة